آخر الأخبار
الرئيسية / العقيدة / ردود على الشبهات / (3) الرد على شبهة استدلالهم على الخروج على ولاة الأمر بخروج الحسين رضي الله عنه وغيره عموماً

(3) الرد على شبهة استدلالهم على الخروج على ولاة الأمر بخروج الحسين رضي الله عنه وغيره عموماً

(3) الرد على شبهة استدلالهم على الخروج على ولاة الأمر بخروج الحسين رضي الله عنه وغيره عموماً

 كثيرا ما يستدل المخالفون على جواز الخروج على الأئمة بخروج الحسين وابن الزبير و سعيد بن جبير وغيرهم عموما

الرد علي الشبهة: عليهم أن يستدلوا بكتاب الله جل وعلا وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما وافق الكتاب والسنة وما وافق الحق فإن هؤلاء الأفاضل ليسوا معصومين ، فخروج بعض أهل الفضل قد يكون بسبب خفاء الدليل أو عدم وصوله أو لتأويل ، أضف إلى ذلك أن في أزمان الفتن ترد على القلوب من الواردات ما يجعلها تنصرف عن الصواب أحياناً

قال شيخ الإسلام ابن تيمية([1]):فَإِنَّ بِهَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ يَتْرُكُ مَنْ يَتْرُكُ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِدْلَالِ الْعَمَلَ بِبَعْضِ النُّصُوصِ ; إِمَّا أَنْ لَا يَعْتَقِدَ ثُبُوتَهَا عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَإِمَّا أَنْ يَعْتَقِدَهَا غَيْرَ دَالَّةٍ عَلَى مَوْرِدِ الِاسْتِدْلَالِ، وَإِمَّا أَنْ يَعْتَقِدَهَا مَنْسُوخَةً.

وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ أَسْبَابَ هَذِهِ الْفِتَنِ تَكُونُ مُشْتَرَكَةً أهـــ

 وعلى ضوء خروج بعضهم تكلم بعض العلماء بوجود الخلاف وطعنهم في الإجماعات. وسيأتي الجواب عن هذه الشبهة في موضعها.

وعلى أي الأحوال لا يتم الاستلال بخروج بعض أهل الفضل لوجوه كثيرة ، وهذا الاحتجاج باطل من وجوه كثيرة.

أولاً: ورد في السنن والآثار المتواترة المنع من الخروج على الأئمة عدلوا أو جاروا أي ولو فسقوا إلا إذا كفروا كفرا بواحاً وهذا هو الواجب والمتعين العمل به فمهما قال من قائل قولاً أو فعل فعلاً أو ادعى دعوة فلا قيمة لها حتى نزن كلامه وفعله ودعوته بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

 ثانياً: أن الخروج على الأمراء كان رأيا ليس صائبا لبعض السلف وقد حدثت منه فتن كثيرة  ولهذا استقر أمر أهل السنة على الصبر على جور الأئمة وترك الخروج عليهم وأجمعوا على ذلك. وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم وصار أصلا من أصول أهل السنة والجماعة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ([2]) :

وَكَانَ أَفَاضِلُ الْمُسْلِمِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْخُرُوجِ وَالْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ، كَمَا كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ وَغَيْرُهُمْ يَنْهَوْنَ عَامَ الْحَرَّةِ عَنِ الْخُرُوجِ عَلَى يَزِيدَ، وَكَمَا كَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُمَا يَنْهَوْنَ عَنِ الْخُرُوجِ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الْأَشْعَثِ. وَلِهَذَا اسْتَقَرَّ أَمْرُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الثَّابِتَةِ عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَصَارُوا يَذْكُرُونَ هَذَا فِي عَقَائِدِهِمْ، وَيَأْمُرُونَ بِالصَّبْرِ عَلَى جَوْرِ الْأَئِمَّةِ وَتَرْكِ قِتَالِهِمْ، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَاتَلَ فِي الْفِتْنَةِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ.أهـ

  و قال الحافظ ابن حجر([3]) : وقولهم كان يرى السيفَ يعني كان يرى الخروجَ بالسيف على أئمة الجور وهذا مذهبٌ للسلف قديم لكن استقر الأمر على ترك ذلك لما رأوهُ قد أفْضَى إلى أشد منه ففي وقعةِ الحرَّة ووقعة بن الأشعث وغيرهما عظة لمن تَدبر أهــ.

 وقد نبهت على عدم صحة قول الحافظ (وهذا مذهب للسلف قديم). 

وراجع باب ما استقر عليه السلف الصالح ففيه الكثير.

ثالثاً: اعتقاد أهل السنة هو الصواب وما خالفه باطل لا يلتف إليه والذين خالفوا أهل السنة  بعد إجماع السلف هم الخوارج والمعتزلة فكيف تذكرون ما لم يوفق للعمل بالدليل أوخالف السنة وتجعلونه مذهبا أو فعلاً معتبراً ؟ هذا عجيب فلا يجوز الاحتجاج بفعل من لم يوفق للصواب أو خالف السنة كائنا من كان ولو كان من أهل الفضل وسيأتي كلام شيخ الإسلام ابن تيمية.

قال أبو حيان([4]) – رحمه الله – : والإمام مفترض الطاعة فيما يؤدّي إليه اجتهاده . وليس لأحد الخروج عليه بالسيف ، وكذلك لا يجوز الخروج على السلطان الغالب ، خلافاً لمن رأى ذلك من المعتزلة والخوارج والرافضة وغيرهم أهـ.

 رابعاً:أن الذين خرجوا في الفتن ليس معهم نص لا من كتاب ولا سنة ولا إجماع ، واجتهاد من اجتهد من بعض الصحابة أو التابعين في مسألة الخروج ليس بحجة لم يوفقوا للصواب.

قال الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ([5])

  أفعال الصحابة رضى الله عنهم ليست حجة بمجردها فنفهمها على وفق الأدلة فالعبرة بالدليل من الكتاب والسنة وفعل النبى صلى الله عليه وسلم سنته وأما فعل الصحابة فبعضهم أو بعض التابعين حصل منهم خروج على الأئمة فهذا إجتهاد إجتهدوه فى بعض المسائل لكن لا يوافق الأدلة من الكتاب والسنة ولا يوافق ما قرره من الأئمة من الصحابة وأئمة الإسلام فى أصل الإعتقاد وفى الإتباع,لهذا لا تعارض الأدلة بفعل قد يكون لم ينقل جمع أسبابه.

وقال حفظه الله:  لابد أن يكون عندك فهم كيف تعامل الأئمة والسلف فى هذا ويكون قاعدة لك فى حمل المتشابه من أفعالهم على المحكم من النصوص لأن الأصل أنهم لا يخالفون وإن لم يكن ثَم مجال للحمل فيكون إجتهاداً منهم خالفوا فيه الدليل وأمرهم إلى الله عز وجل.أهـــ

خامساً: أن الصحابة وأهل الفضل من التابعين أنكروا على الحسين وابن الزبير وأنكر أهل الفضل على غيرهم. فكيف تحتجون على فعلهم.

 والصحابة الذين أنكروا على الحسين وابن الزبير أكثر عددا ومنهم كبار الصحابة في العلم  كابن عباس وابن عمر وأبي سعيد الخدري وغيرهم رضي الله عنهم 

واعلم أن الحسين لم يبايع يزيد وظل معتزلاً في مكة حتى جاءت إليه رسل أهل الكوفة تطلب منه القدوم ، فلما رأى كثرة المبايعين ظن رضي الله عنه أن أهل الكوفة لا يريدون يزيد فخرج إليهم ولم يكن خروجه صواباً

ولذلك ندم ورجع معرضاً عن الفتنة داخلاً في جماعة المسلمين وفي طاعة الإمام وقد قتل مظلوماً رضي الله عنه.

     يا من تحتجون بخروج الحسين رضي الله عنهما إن أكابر الصحابة وأهل الفضل أنكروا عليه

هذا عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما- ينهى الحسين بن على رضي الله عنهما عن الخروج

كَانَ ابْنُ عُمَرَ([6])- رضي الله عنهما- يَقُولُ: غَلَبَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ بِالْخُرُوجِ، وَلَعَمْرِي لَقَدْ رَأَى فِي أَبِيهِ وَأَخِيهِ عبرة، فرأى مِنَ الْفِتْنَةِ وَخِذْلَانِ النَّاسِ لَهُمَا مَا كَانَ ينبغي له أن لا يَتَحَرَّكَ مَا عَاشَ، وَأَنْ يَدْخُلَ فِي صَالِحِ مَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ، فَإِنَّ الْجَمَاعَةَ خَيْرٌ.

وكذا ابن عباس رضي الله عنهما

وقال له ابن عباس([7])- رضي الله عنهما-: وأين تُرِيدُ يا ابْنَ فَاطِمَةَ؟ فَقَالَ: الْعِرَاقَ وَشِيعَتِي، فقال: إني لكاره لِوَجْهِكَ هَذَا تَخْرُجُ إِلَى قَوْمٍ قَتَلُوا أَبَاكَ وَطَعَنُوا أَخَاكَ حَتَّى تَرَكَهُمْ سَخْطَةً وَمَلَالَةً لَهُمْ؟ أُذَكِّرُكَ اللَّهَ أَنْ تَغْرُرَ بِنَفْسِكَ.

  أبو سعيد الخدري رضي الله عنه ينهى عن الخروج

 قال أبو سعيد الخدري ([8]) : غَلَبَنِي الحُسَينُ على الخُروج، وقلتُ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ وَالْزَمْ بَيْتَكَ وَلَا تَخْرُجْ عَلَى إِمَامِكَ.

 وكذلك عمرة بنت عبد الرحمن([9]) تكتب للحسين تأمره بالطاعة ولزوم الجماعة

  كَتَبَتْ إِلَيْهِ – أي الحسين – عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ تُعَظِّمُ عَلَيْهِ مَا يُرِيدُ أَنْ يَصْنَعَ، وَتَأْمُرُهُ بِالطَّاعَةِ وَلُزُومِ الْجَمَاعَةِ، وَتُخْبِرُهُ أنه إن لم يفعل إِنَّمَا يُسَاقُ إِلَى مَصْرَعِهِ.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية([10]) : وَكَانَ أَفَاضِلُ الْمُسْلِمِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْخُرُوجِ وَالْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ، كَمَا كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ وَغَيْرُهُمْ يَنْهَوْنَ عَامَ الْحَرَّةِ عَنِ الْخُرُوجِ عَلَى يَزِيدَ، وَكَمَا كَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُمَا يَنْهَوْنَ عَنِ الْخُرُوجِ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الْأَشْعَثِ. وَلِهَذَا اسْتَقَرَّ أَمْرُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الثَّابِتَةِ عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَصَارُوا يَذْكُرُونَ هَذَا فِي عَقَائِدِهِمْ، وَيَأْمُرُونَ بِالصَّبْرِ عَلَى جَوْر الْأَئِمَّةِ وَتَرْكِ قِتَالِهِمْ، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَاتَلَ فِي الْفِتْنَةِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ.

وقال أيضاُ: وَلِهَذَا لَمَّا أَرَادَ الْحُسَيْنُ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أَنْ يَخْرُجَ إِلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ لَمَّا كَاتَبُوهُ كُتُبًا كَثِيرَةً أَشَارَ عَلَيْهِ أَفَاضِلُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ، كَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنْ لَا يَخْرُجَ، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ أَنَّهُ يُقْتَلُ، حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: أَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ مِنْ قَتِيلٍ.أهــ

وقال الحافظ ابن كثير([11]): ولما استشعر الناس خروج أَشْفَقُوا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، وَحَذَّرُوهُ مِنْهُ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ ذَوُو الرَّأْيِ مِنْهُمْ وَالْمَحَبَّةِ لَهُ بِعَدَمِ الْخُرُوجِ إِلَى الْعِرَاقِ، وَأَمَرُوهُ بِالْمُقَامِ بِمَكَّةَ، وَذَكَّرُوهُ مَا جَرَى لِأَبِيهِ وَأَخِيهِ مَعَهُمْ أهـ

سادساً:لماذا لا تذكرون ندم من خرج في تلك الفتنة كالحسين وابن الزبير والشعبي وغيرهم والندم دلالة على عدم سلامة الفعل فإن الأمانة العلمية تقتضي ذلك

فكيف تحتجون بفعل من ندم على جواز الخروج.

وقد كان آخر أمر الحسين الندم والدخول في الجماعة والإعراض عن تفريق الأمة.

قال شيخ الإسلام([12]): وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ يَرُدُّونَ غُلُوَّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ الْحُسَين قُتِلَ مَظْلُومًا شَهِيدًا، وَإِنَّ الَّذِينَ قَتَلُوهُ كَانُوا ظَالِمِينَ مُعْتَدِينَ. وَأَحَادِيثُ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الَّتِي يَأْمُرُ فِيهَا بِقِتَالِ الْمُفَارِقِ لِلْجَمَاعَةِ لَمْ تَتَنَاوَلْهُ ; فَإِنَّهُ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – لَمْ يُفَرِّقِ الْجَمَاعَةَ، وَلَمْ يُقْتَلْ إِلَّا وَهُوَ طَالِبٌ لِلرُّجُوعِ  إِلَى بَلَدِهِ، أَوْ إِلَى الثَّغْرِ  ، أَوْ إِلَى يَزِيدَ، دَاخِلًا فِي الْجَمَاعَةِ، مُعْرِضًا عَنْ تَفْرِيقِ الْأُمَّةِ أهــ.

وقال أيضا: وَكَذَلِكَ الْحُسَيْنُ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – لَمْ يُقْتَلْ إِلَّا مَظْلُومًا شَهِيدًا، تَارِكًا لِطَلَبِ الْإِمَارَةِ  ، طَالِبًا لِلرُّجُوعِ: إِمَّا إِلَى بَلَدِهِ، أَوْ إِلَى الثَّغْرِ  ، أَوْ إِلَى الْمُتَوَلِّي عَلَى النَّاسِ يَزِيدَ.

سابعاً: أن الوقائع التي تحتجون بها كانت زمن فتنة والصحابة والتابعون تركوا الخروج على الولاة والفتن ولم يساعدوا الخارجين على الإمام بل أكابرهم أنكروا عليهم ذلك، وفي أزمان الفتن ترد على القلوب من الواردات ما يجعلها تصرف عن الحق

وإن كان ترك القتال في الفتنة غير الخروج على الولاة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية([13]): وَأَمَّا الصَّحَابَةُ فَجُمْهُورُهُمْ وَجُمْهُورُ أَفَاضِلِهِمْ مَا دَخَلُوا فِي فِتْنَةٍ.

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ:حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ [يَعْنِي] السَّخْتِيَانِيَّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: هَاجَتِ الْفِتْنَةُ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَشَرَةُ آلَافٍ، فَمَا حَضَرَهَا  مِنْهُمْ مِائَةٌ، بَلْ لَمْ يَبْلُغُوا  ثَلَاثِينَ. وَهَذَا الْإِسْنَاد مِنْ أَصَحِّ إِسْنَادٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ. وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ مِنْ أَوَرِعِ النَّاسِ فِي مَنْطِقِهِ، وَمَرَاسِيلُهُ مِنْ أَصَحِّ الْمَرَاسِيلِ.

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: قَالَ الشَّعْبِيُّ: لَمْ يَشْهَدِ الْجَمَلَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – غَيْرُ عَلِيٍّ وَعَمَّارٍ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ، فَإِنْ جَاءُوا بِخَامِسٍ فَأَنَا كَذَّابٌ.

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: قِيلَ لِشُعْبَةَ: إِنَّ أَبَا شَيْبَةَ رَوَى عَنِ الْحَكَمِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: شَهِدَ صِفِّينَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ سَبْعُونَ رَجُلًا. فَقَالَ: كَذَبَ وَاللَّهِ، لَقَدْ ذَاكَرْتُ الْحَكَمَ بِذَلِكَ، وَذَاكَرْنَاهُ فِي بَيْتِهِ، فَمَا وَجَدْنَاهُ شَهِدَ صِفِّينَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ غَيْرَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ.

قُلْتُ: هَذَا النَّفْيُ يَدُلُّ عَلَى قِلَّةِ مَنْ حَضَرَهَا أهــــ

 وقد ذكرت أنه في أزمان الفتن ترد على القلوب من الواردات ما يجعلها تصرف عن الحق

قال شيخ الإسلام ابن تيمية([14]):فَإِنَّ بِهَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ يَتْرُكُ مَنْ يَتْرُكُ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِدْلَالِ الْعَمَلَ بِبَعْضِ النُّصُوصِ ; إِمَّا أَنْ لَا يَعْتَقِدَ ثُبُوتَهَا عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَإِمَّا أَنْ يَعْتَقِدَهَا غَيْرَ دَالَّةٍ عَلَى مَوْرِدِ الِاسْتِدْلَالِ، وَإِمَّا أَنْ يَعْتَقِدَهَا مَنْسُوخَةً.

وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ أَسْبَابَ هَذِهِ الْفِتَنِ تَكُونُ مُشْتَرَكَةً، فَيَرِدُ عَلَى الْقُلُوبِ مِنَ الْوَارِدَاتِ مَا يَمْنَعُ الْقُلُوبَ عَنْ مَعْرِفَةِ الْحَقِّ وَقَصْدِهِ. وَلِهَذَا تَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَالْجَاهِلِيَّةُ لَيْسَ فِيهَا مَعْرِفَةُ الْحَقِّ وَلَا قَصْدُهُ، وَالْإِسْلَامُ جَاءَ بِالْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، بِمَعْرِفَةِ الْحَقِّ وَقَصْدِهِ.

ثامناً: لم يحتج الأئمة الذين نقلوا اعتقاد السلف بخروج الحسين وابن الزبير  ولاغيرهم في كتب الاعتقاد وقد أهملوها وتركوها مع العلم بها وعدم خفائها عليهم لأنها مخالفة للكتاب والسنة المتواترة ومخالفة لاعتقاد السلف فلماذا أنتم تحتج بها؟

تاسعاً:الكلام بأن من خرج له سلف وخرج فلان وفلان … يفتح أبواب الأهواء وترك العمل بالأدلة. 

 قال أبو إسحاق الشاطبي([15]) -رحمه الله-:وقد زادَ هذا الأمرُ على قدره الكفاية حتى صارَ الخِلاف فى المسَائِل معدوداً فى حجَجِ الإباحة ووقع فيما تقدم وتأخر من الزمان الاعتماد فى جواز الفعل على كونه مختلفا فيه بين أهل العلم لا بمعنى مراعاة الخلاف فإن له نظرا آخر بل فى غير ذلك فربما وقع الإفتاء فى المسألة بالمنع فيقال لم تمنع والمسألة مختلف فيها فيجعل الخلاف حجة فى الجواز لمجرد كونها مختلفا فيها لا لدليل يدل على صحة مذهب الجواز ولا لتقليد من هو أولى بالتقليد من القائل بالمنع وهو عين الخطأ على الشريعة حيث جعل ما ليس بمعتمد متعمدا وما ليس بحجة حجة أهـ.

 عاشراً: من يزعم أنه يدعو إلى السنة – أليس الأجدر به أن يدعو إلى السنة ويحبب الناس إليها ولا يشوش عليها؟! بل ويجب عليه أن يترك تزويق جواز الخروج على الأئمة؟!.

 قال الشيخ شمس الدين السفاريني الحنبلي([16])  : يعني اترك مخادع أهل البدع وتزويق ما يظهرون من جواز الخروج على الإمام وعن طاعته ، وزعمهم عدم وجوب نصبه ، فإنهم ضالون ومن وافقهم صار منهم أهـ.

 الحادي عشر:إذا كان أهل السنة يعدون الكلام في ولاة الأمر خروج فما بالكم أنتم تذكرون أن الخروج فيه خلاف.

الثاني عشر: أي عقل يحكم في الشريعة  عقل الخوارج وأهل الأهواء  أم يحكم الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة الصالح ؟

قال الشيخ عبد الرازق عفيفي([17])– رحمه الله -:

   فأي عقل من العقول يُجعَل أصلا يُحَّكم فيِ نصوص الشريعة فتُرَدُّ أو تنزل على مقتضاه فهمًا وتأويلا أعقل الخوارج في الخروج على الولاة ، وإشاعة الفوضى وإباحة الدماء ؟ أم عقل الجهمية في تأويل نصوص الأسماء والصفات وتحريفها عن موضعها وفي القول بالجبر .

أم عقل المعتزلة ومن وافقهم في تأويل نصوص أسماء اللّه وصفاته ونصوص القضاء والقدر وإنكار رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة ؟….. أهـ.

الثالث عشر: ما ثمرة الخروج أكانت حلوة أم كانت مرة ؟ نعم

 كانت ثمار الخروج مرة لا يشك في ذلك عاقل.

قال شيخ الإسلام ابن يتمية([18]) : وَلَمْ يَكُنْ فِي الْخُرُوجِ لَا مَصْلَحَةُ دِينٍ وَلَا مَصْلَحَةُ دُنْيَا ، بَلْ تَمَكَّنَ أُولَئِكَ الظَّلَمَةُ الطُّغَاةُ مِنْ سِبْطِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – حَتَّى قَتَلُوهُ مَظْلُومًا شَهِيدًا، وَكَانَ فِي خُرُوجِهِ وَقَتْلِهِ مِنَ الْفَسَادِ مَا لَمْ يَكُنْ حَصَلَ  لَوْ قَعَدَ فِي بَلَدِهِ، فَإِنَّ مَا قَصَدَهُ مِنْ تَحْصِيلِ الْخَيْرِ وَدَفْعِ الشَّرِّ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ شَيْءٌ، بَلْ زَادَ الشَّرُّ بِخُرُوجِهِ وَقَتْلِهِ، وَنَقَصَ الْخَيْرُ بِذَلِكَ، وَصَارَ ذَلِكَ  سَبَبًا لِشَرٍّ عَظِيمٍ. وَكَانَ قَتْلُ الْحُسَيْنِ مِمَّا أَوْجَبَ الْفِتَنَ، كَمَا كَانَ قَتْلُ عُثْمَانَ مِمَّا أَوْجَبَ الْفِتَنَ.

وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ مَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنَ الصَّبْرِ عَلَى جَوْرِ الْأَئِمَّةِ وَتَرْكِ قِتَالِهِمْ وَالْخُرُوجِ عَلَيْهِمْ هُوَ أَصْلَحُ الْأُمُورِ لِلْعِبَادِ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ، وَأَنَّ مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ مُتَعَمِّدًا أَوْ مُخْطِئًا لَمْ يَحْصُلْ بِفِعْلِهِ صَلَاحٌ بَلْ فَسَادٌ.أهــ

قال أبو عبد الرحمن المعلمي([19]): وقد جَرَّبَ المسلمُون الخروجَ فلم يروا منه إلا الشَّر ، خرج الناس على عثمان يرون أنهم إنما يريدونَ الحقَّ ثم خرج أهل الجمل يرى رؤساهم ومعظمهم أنهم إنما يطْلُبونَ الحق فكانت ثمرة ذلك بعد اللتيا والتي أن انقطعت خلافة النبوة وتأسست دولة بني أمية ثم اضطر الحسين بن علي إلى ما اضطر إليه فكانت تلكَ المأساة ، ثُمَّ خرج أهلُ المدينة فكانت وقعة الحرة ، ثم خرج القراء مع ابن الأشعث فماذا كان ؟ ثم كانت قضية زيد بن علي وعرض عليه الروافض أن ينصروه على أن يتبرأ من أبي بكر وعمر فأبى فخذلوه ، فكانَ ما كان ، ثم خَرَجُوا مع بني العباس فنشأَتْ دولتهم التي رأى أبو حنيفة الخروج عليها ، واحتشد الروافض مع إبراهيم الذي رأى أبو حنيفة الخروج معه ولو كتب له النصر لاستولى الروافض على دولته ، فيعود أبو حنيفة يفتي بوجوب الخروج عليهم ! …. أهــ.

*******  ******

الشيخ/ أبو مصعب سيد بن خيثمة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ([1]) السابق (ج4/ 538).    

([2]) منهاج السنة النبوية (ج 4/529 ،530 ).       

([3]) تهذيب التهذيب (ج2/ 250).       

([4]) تفسيره البحر المحيط (1/ 551).       

([5])  شرح الطحاوية (ج2/1127،1128).       

([6]) ابن كثير في البداية والنهاية (8| 163). 

([7]) ابن كثير في البداية والنهاية (8| 163). 

([8]) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (14/ 208) والحافظ المذي في تهذيب الكمال (6/ 417)  ورواه ابن كثير في البداية والنهاية (8/ 176) والذهبي في تاريخ الإسلام (5/8).

([9]) ابن كثير في البداية والنهاية (8| 163). قال الحافظ ابن حجر في التقريب (ج1| 750):عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية أكثرت عن عائشة ثقة من الثالثة ماتت قبل المائة ويقال بعدها أهــ 

([10]) منهاج السنة النبوية (ج4/ 529،530).    

([11])  البداية والنهاية (ج8/172).       

([12]) منهاج السنة النبوية (ج4/  535،586).    

([13]) منهاج السنة النبوية (ج6/ 236، 237).    

([14]) السابق (ج4/ 538).     

([15]) الموافقات (4/141).       

([16])  لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية  (2/ 423) 

([17]) شبهات حول السنة(ص 57، 58).       

([18]) منهاج السنة النبوية (ج4/ 530،531).       

([19]) التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل (ج1/288).       

عن khithma

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*