السؤال: نلاحظ أن بعض الأئمة يزيد في دعاء القنوت ويطيل جداً فيه فهل هذا الفعل مشروع ؟ ونشعر أن بعضهم يتكلف السجع فيه فهل هذا الأمر صواب؟
الجواب:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه بإحسان إلى يوم الدين
أنصح الأئمة والدعاة الذين يصلون بالناس بالتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم وألا يطيلوا على الناس في الصلاة ولا في الدعاء بحيث يشقوا عليهم , وأن يراعوا أحوال الناس قوة وإقبالا أو ضعفاً أومرضا أو نحو ذلك مما سيأتـي إن شاء الله.
والإطالة في دعاء القنوت والمشقة عليهم ليست من هدى النبي بل صلى الله عليه وسلم
بل على الأئمة أن يتخيروا من الدعاء أجمعه ،ولكن بعض الأئمة يطيلون جداً حتى أنهم يكثرون من السجع المتكلف فيه ويكون في الأدعية تكرار.
والخلاصة أن الإطالة في دعاء القنوت ليس بمشروع بل عده بعض أهل العلم من البدع المحدثة.
وأحسن ما ماورد في دعاء قنوت الوتر هو الدعاء الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم للحسن بن علي -رضي الله عنه- وهو من أجمع الدعاء وإن العمل بهذا الدعاء فيه اقتداء بسنته – صلى الله عليه وسلم – وفيه عدم المشقة على الناس
عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ الْوَتْرِ: ” اللهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ، فَإِنَّكَ تَقْضِي وَلا يُقْضَى عَلَيْكَ، إِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ ” رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي
والإطالة والمشقة على الناس في الصلاة منهي عنها ومنها المشقة عليهم في دعاء القنوت
عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ، مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَضِبَ فِي مَوْعِظَةٍ قَطُّ أَشَدَّ مِمَّا غَضِبَ يَوْمَئِذٍ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ أَمَّ النَّاسَ، فَلْيُوجِزْ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِهِ الْكَبِيرَ، وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ» متفق عليه
دل الحديث على أنه لا يجوز للإمام أن يطيل عليهم في الصلاة بحيث يشق عليهم فإنه منهي عنه.
قال ابن رجب الحنبلي في فتح الباري (6| 217):فِي هَذَا الحَدِيْث: أن الإمام مأمور بالتخفيف خشية الإطالة عَلَى من خلفه؛ فإنه لا يخلو بعضهم من عذر كالضعيف والكبير وذي الحاجة.
وهذا يدل عَلَى أن الأمر بالتخفيف إنما يتوجه إلى إمام يصلي فِي مسجد يغشاه النَّاس أهـ
وعَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ الْأَنْصَارِيُّ لِأَصْحَابِهِ الْعِشَاءَ. فَطَوَّلَ عَلَيْهِمْ فَانْصَرَفَ رَجُلٌ مِنَّا. فَصَلَّى فَأُخْبِرَ مُعَاذٌ عَنْهُ فَقَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الرَّجُلَ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ مَا قَالَ مُعَاذٌ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَتُرِيدُ أَنْ تَكُونَ فَتَّانًا يَا مُعَاذُ؟ إِذَا أَمَمْتَ النَّاسَ فَاقْرَأْ بِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى» رواه مسلم وهو عند البخاري نحوه
وفي رواية البيهقي في السنن الكبرى (3| 165) (أَفَتَّانٌ أَنْتَ يَا مُعَاذُ، خَفِّفْ عَلَى النَّاسِ، وَاقْرَأْ بِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَا تَشُقَّ عَلَى النَّاسِ “
قال البغوي في شرح السنة (3| 73): وَقَوْلُهُ «أَفَتَّانٌ أَنْتَ» أَيْ: تَصْرِفُ النَّاسَ عَنِ الدِّينِ، وَتَحْمِلُهُمْ عَلَى الضَّلالِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: وَ] مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ} [الصافات: 162] أَيْ: بِمُضَلِّينَ.
وَفِيهِ أَنَّ عَلَى الإِمَامِ تَخْفِيفَ الصَّلاةِ، وَأَنْ يَقْتَدِيَ فِيهِ بِأَضْعَفِهِمْ.أهـ مختصرا
وروى أحمد وابن خزيمة (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَم أنه سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ، يَقُولُ: اسْتَعْمَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الطَّائِفِ، وَكَانَ آخِرُ مَا عَهِدَهُ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «خَفِّفْ عَلَى النَّاسِ الصَّلَاةَ»
وقال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين في (مجموع فتاوى وسائل الشيخ العثيمين 14| 135، 136) عن الإطالة والمشقة في دعاء القنوت:
فالذي ينبغي أن يقتصر على الكلمات الواردة، ولا شك في أن الإطالة شاقة على الناس وترهقهم، ولا سيما الضعفاء منهم، ومن الناس من يكون وراءه أعمال ولا يحب أن ينصرف قبل الإمام ويشق عليه أن يبقى مع الإمام، فنصيحتي لإخواني الأئمة أن يكونوا بين بين، كذلك ينبغي أن يترك الدعاء أحياناً حتى لا يظن العامة أن الدعاء واجب. أهـ
وقال الشيخ مقبل الوادعي في تحفة المجيب (1| 137 ، 138)
:أما الدعاء في صلاة التراويح بذلك التطويل فبدعة، بدعة، بدعة، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم علّم الحسن أن يقول: ((اللهمّ اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولّني فيمن تولّيت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شرّ ما قضيت، إنّك تقضي ولا يقضى عليك، وإنّه لا يذلّ من واليت، ولا يعزّ من عاديت، تباركت ربّنا وتعاليت)). وكذا ما يحدث في الحرمين من ذلك التطويل فليس مشروعًا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.أهـ.
وأما تكلف السجع في الدعاء والقنوت فمكروه
وهذا يفعله بعض الأئمة يتكلف السجع في الدعاء وهذا يذهب يذهب بالخشوع
والخضوع ويشغل القلب، وبعضهم يلف ويدور بالسجع والدعاء واحد مع اختلاف السجع فقط والله المستعان،
قال النووي في الأذكار (1| 198) :
ولا يتكلَّفُ السجعَ في الدعاء، فإنّه يُشغل القلبَ، ويُذهبُ الانكسار، والخضوعَ، والافتقار، والمسكنة والذلّة، والخشوع، ولا بأس بأن يدعو بدعواتٍ محفوظة معه، له أو غيره، مسجوعة إذا يشتغل بتكلّف ترتيبها ومراعاة إعرابها.أهـ
والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه بإحسان إلى يوم الدين.
**** ر ****