السؤال: هل العدل بين الزوجات يكون في كل شيئ حتى في المحبة لأن قلبي يميل إلى إحدى الزوجات دون الباقي فهل علي إثم؟
الجــــــــــواب:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه بإحسان إلى يوم الدين
العدل بين الزوجات من محاسن الشريعة الغراء ومن الأمور المهمة لصلاح الحياة الزوجية.
والعدل بين الزوجات يكون في الإنفاق و الكسوة والمسكن و يقسم في المبيت قدر استطاعته وأما ميل القلب إلى إحداهن أو بعضهن فمعفو عنه لأنه خارج الاستطاعة. فيا أخي مسألة ميل القلب لا يملكها الإنسان.
ولكن لا بد أن يعدل الرجل بين نسائه قدر استطاعته إن كان له أكثر من واحدة.
قال تعالى ((وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ)) الآية (129) النساء
قال الصنعاني في سبل السلام (3/ 162) :والمراد الميل في القسم والإنفاق لا في المحبة لما عرفت من أنها مما لا يملكه العبد أهـ.
قال تعالى:{ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (3) } في الآية دليل على العدل بين النساء وأن من خاف ألا يعدل فواحدة أي فزوجة واحدة أو ما ملكت أيمانكم.
قال محمد الطاهر بن عاشور في تفسير التحرير والتنوير (4/ 226) : وَخَوْفُ عَدَمِ الْعَدْلِ مَعْنَاهُ عَدَمُ الْعَدْلِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ، أَيْ عَدَمُ التَّسْوِيَةِ، وَذَلِكَ فِي النَّفَقَةِ وَالْكُسْوَةِ وَالْبَشَاشَةِ وَالْمُعَاشَرَةِ وَتَرْكِ الضُّرِّ فِي كُلِّ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ قُدْرَةِ الْمُكَلَّفِ وَطَوْقُهُ دُونَ مَيْلِ الْقَلْبِ أهـ.
والنبي صلى الله عليه وسلم كان يعدل ويقسم بين نسائه حتى في المبيت والجماع.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ– رضي الله عنه – – أَنَّ اَلنَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ)) (صحيح) أخرجه مسلم في الحيض (467)
وعَنْ أَنَسٍ رضي اللَّهُ عَنْهُ قالَ : ” مِنَ السُّنّةِ إذا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْبِكْرَ عَلى الثّيِّبِ أَقامَ عِنْدَها سَبْعاً ثمَّ قَسَمَ وإذا تَزَوَّجَ الثّيِّبَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثلاثاً ثمَّ قَسَمَ قَالَ أَبُو قِلاَبَةَ وَلَوْ شِئْتُ لَقُلْتُ إِنَّ أَنَسًا رَفَعَهُ إِلَى النَّبِىِّ – صلى الله عليه وسلم “(متفق عليه) أخرجه البخاري في النكاح (4813) ومسلم في الرضاع (2604)
واستدلوا بما ورد عن عَائِشَةَ([1]) رضيَ اللَّهُ عَنْهَا قالَتْ : كانَ رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يَقْسِمُ لِنِسَائِهِ فَيَعْدِلُ ويَقولُ : ” اللّهُمَّ هذا قَسْمِي فِيما أَمْلِكُ فَلا تُلُمْني فيمَا تمْلِكُ وَلا أَمْلِكُ “ولا يثبت ورجح الترمذي إرساله
وقال الصنعاني في سبل السلام (3/ 162) : عند حديث ((مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ مَعَ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَحَدُ شِقَّيْهِ سَاقِطٌ )) : الحديث دليل على أنه يجب على الزوج التسوية بين الزوجات ويحرم عليه الميل إلى إحداهن أهـ.
وقد تقدم أن العدل بين الزوجات يكون في الإنفاق و الكسوة والمسكن و يقسم في المبيت قدر استطاعته وأما ميل القلب إلى إحداهن أو بعضهن فمعفو عنه لأنه خارج الاستطاع.
قال الخطابي في معالم السنن (ج3| 219):في هذا دلالة على توكيد وجوب القسم بين الضرائر الحرائر وإنما المكروه من الميل هو ميل العشرة الذي يكون معه بخس الحق دون ميل القلوب فإن القلوب لا تملك . أهـــــ
وقال الإمام الشافعي في الأم (5/ 110) :قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} [الأحزاب: 50] وَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا} [النساء: 129] الْآيَةُ فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالتَّفْسِيرِ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ بِمَا فِي الْقُلُوبِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَعَلَا تَجَاوَزَ لِلْعِبَادِ عَمَّا فِي الْقُلُوبِ فَلَا تَمِيلُوا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَكُمْ كُلَّ الْمَيْلِ بِالْفِعْلِ مَعَ الْهَوَى وَهَذَا يُشْبِهُ مَا قَالَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَدَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَمَا عَلَيْهِ عَوَامُّ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَقْسِمَ لِنِسَائِهِ بِعَدَدِ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي وَأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَعْدِلَ فِي ذَلِكَ لَا أَنَّهُ مُرَخَّصٌ لَهُ أَنْ يُجَوِّزَ فِيهِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا أُرِيدَ بِهِ مَا فِي الْقُلُوبِ مِمَّا قَدْ تَجَاوَزَ اللَّهُ لِلْعِبَادِ عَنْهُ فَمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ الْمَيْلِ عَلَى النِّسَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (32/ 270) : وَأَمَّا الْعَدْلُ فِي ” النَّفَقَةِ وَالْكُسْوَةِ ” فَهُوَ السُّنَّةُ أَيْضًا اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ كَانَ يَعْدِلُ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ فِي النَّفَقَةِ؛ كَمَا كَانَ يَعْدِلُ فِي الْقِسْمَةِ؛ مَعَ تَنَازُعِ النَّاسِ فِي الْقَسْمِ: هَلْ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ؟ أَوْ مُسْتَحَبًّا لَهُ؟ وَتَنَازَعُوا فِي الْعَدْلِ فِي النَّفَقَةِ: هَلْ هُوَ وَاجِبٌ؟ أَوْ مُسْتَحَبٌّ؟ وَوُجُوبُهُ أَقْوَى وَأَشْبَهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَهَذَا الْعَدْلُ مَأْمُورٌ لَهُ مَا دَامَتْ زَوْجَةً أهــ.
وقد قال جمع من العلماء أن ما زاد عن النفقة والكسوة كميل القلب إلى إحداهن فليس بواجب التسوية
وذكر ابن قدامة أنه لا تجب التسوية بينهن في الجماع
قال الإمام ابن قدامة في المغني ( 8/ 149) :
لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فِي أَنَّهُ لَا تَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ النِّسَاءِ فِي الْجِمَاعِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِك وَالشَّافِعِيِّ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْجِمَاعَ طَرِيقُهُ الشَّهْوَةُ وَالْمَيْلُ، وَلَا سَبِيلَ إلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُنَّ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ قَلْبَهُ قَدْ يَمِيلُ إلَى إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} [النساء: 129] قَالَ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ فِي الْحُبِّ وَالْجِمَاعِ.
وَإِنْ أَمْكَنَتْ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْجِمَاعِ، كَانَ أَحْسَنَ وَأَوْلَى؛ فَإِنَّهُ أَبْلُغُ فِي الْعَدْلِ، «وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَقْسِمُ بَيْنَهُنَّ فَيَعْدِلُ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا لَا أَمْلِكُ.» وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يُسَوِّي بَيْنَهُنَّ حَتَّى فِي الْقُبَلِ. وَلَا تَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُنَّ فِي الِاسْتِمْتَاعِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ؛ مِنْ الْقُبَلِ، وَاللَّمْسِ، وَنَحْوِهِمَا؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ تَجِبْ التَّسْوِيَةُ فِي الْجِمَاعِ، فَفِي دَوَاعِيهِ أَوْلَى. أهـ.
والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه بإحسان إلى يوم الدين
***** ر *****