الجواب رقم (6) حكم الخروج على الحاكم الظالم وإسقاط النظام في مصر وبلاد المسلمين
نشرت بواسطة: khithma
في أجوبة هامة كتابي
21 ديسمبر، 2018
1,706 زيارة
سائل يقول: هناك بعض الدعاة والشيوخ والإعلاميين ومواقع على النت وغيرها تهيج الناس والشباب في مصر على الخروج في ثورة جديدة أو(25 يناير) جديد لإسقاط النظام ورفع الظلم وإقامة العدل والتغيير إلى غير ذلك ويقولون أن هذه الثورة نصرة للشريعة فما الحكم الشرعي في دعواتهم هذه ؟ أفيدونا بارك الله فيكم.
الجواب:
اعلم أيها الأخ السائل: أن تلك الدعوات التحريضية على الحكام والأنظمة والدول الإسلامية لا تمت بصلة إلى الكتاب والسنة وسلف الأمة الصالح ، وليس فيها نصر للشريعة، بل هذا مذهب الخوارج والمعتزلة ومن سار على دربهم. وما أقوله لا يخص مصر وحدها -أخي السائل- بل بلاد المسلمين الأخرى أيضاً نسأل الله أن يحفظها من تلك الثورات الماسونية الصهيوصليبية ، التي تهدف إلى تقسيمها وتقطيع أوصالها ، ويعاونهم في ذلك أيضاً الرافضة المجوس.
واعلم أن من أصول أهل السنة والجماعة السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين وحكامهم في غير معصية الله ما لم يأتوا كفراً بواحا عندكم فيه من الله برهان، والصبر على جورهم وظلمهم ، وترك الخروج عليهم سواء عدلوا أو جاروا. ومن منهج السلف الصالح النصيحة والدعاء لهم .
والخروج على الحكام له مفاسد عظيمة جداً منها: سفك الدماء وسلب الأموال وانتهاك الأعراض والفساد في الأرض إلى غير ذلك من المفاسد.
وقد جاءت الأحاديث المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، ونقلت الإجماعات المتواترة عن أئمة السلف والتابعين وفقهاء الأمصار وأئمة السنة.
والذي يطعن في هذا الأصل من أصول أهل السنة والجماعة إما جاهل بمنهج السلف وإما صاحب هوى نسأل الله العافية.
قال تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا النساء (59)
ذكر الإمام ابن جرير الطبري([1]) : الاختلاف في تأويل (وأولي الأمر منكم): هل هم ولاة أمر المسلمين أم هم أهل العلم والفقه والعقل ومنهم من قال أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ….إلخ
ثم قال – رحمه الله- : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : هم الأمراءُ والولاةُ لصحةِ الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمرِ بطاعةِ الأئمة والولاة فيما كان [لله] طاعةً، وللمسلمين مصلحة ….وذكر من الأحاديث ما يبين ذلك
وقال الحافظ ابن كثير([2]) – رحمه الله تعالى – : بعد أن أورد عدة أحاديث في السمع والطاعة: وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عباس: {وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ} يَعْنِي: أَهَّلَ الْفِقْهِ وَالدِّينِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ: {وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ} يَعْنِي: الْعُلَمَاءُ. وَالظَّاهِرُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-أَنَّ الْآيَةَ فِي جَمِيعِ أُولِي الْأَمْرِ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَالْعُلَمَاءِ أهـ.
ولولا قصد الاختصار لسردت تفسير جمع من أهل العلم في هذه الآية
ومن الأحاديث
عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ([3])- رضي الله عنه- قَالَ دَعَانَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعْنَاهُ فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأَثَرَةً عَلَيْنَا وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنْ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ )) رواه البخاري ومسلم.
وروى البخاري ومسلم من حديث ابن عمر([4]) – رضي الله عنهما -، عن النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ : (( عَلَى المَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ والطَّاعَةُ فِيمَا أحَبَّ وكَرِهَ ، إِلاَّ أنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيةٍ ، فَإذَا أُمِرَ بِمَعْصِيةٍ فَلاَ سَمْعَ وَلاَ طَاعَةَ ))
وعن عَوْف بْن مَالِكٍ الأَشْجَعِىِّ([5])- رضي الله عنه – يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – يَقُولُ :« خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ ». قَالَ قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلاَ نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟ قَالَ :« لاَ مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاَةَ إِلاَّ مَنْ وَلِىَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِى شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِى مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَلاَ يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ ». رواه مسلم.
( وتصلون عليهم ويصلون عليكم ) أي يدعون لكم وتدعون لهم
وعن ابن عمر([6])- رضي الله عنهما – سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – يَقُولُ « مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِىَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ حُجَّةَ لَهُ وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِى عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً ».رواه مسلم.
فدل الحديث على الوعيد الشديد لمن يخلع يد الطاعة من الحاكم , وأن من مات وقد خلع بيعته يموت ميتة جاهلة ، وكذلك من مات وهو خارج على إمامه يموت ميتة جاهلية بلا ريب.
وعن ابْنَ عَبَّاسٍ([7])- رضى الله عنهما – عَنِ النَّبِىِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ « مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ ، إِلاَّ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً » رواه البخاري ومسلم.
والأحاديث في هذا الباب كثيرة جداً بل ومتواترة
وإليك بعض الإجماعات
حكى الإمام أحمد بن حنبل الإجماع
روى الخلال([8]) عن الحسن بن إسماعيل الربعي عن الإمام أحمد بن حنبل قال : أجمع تسعون رجلا من التابعين وأئمة المسلمين وأئمة السلف وفقهاء الأمصار على أن السنة التي توفي عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أولها الرضى بقضاء الله تعالى والتسليم لأمره…..إلخ إلى أن قال: والجهاد مع كل خليفة بر وفاجر …. والصبر تحت لواء السلطان على ما كان منه من عدل أو جور ولا نخرج على الأمراء بالسيف وإن جاروا أهـ مختصرا
وحكى الإجماع أبو الحسن الأشعري
وقال أبو الحسن الأشعري([9]): وأجمعوا على السمع والطاعةِ لأئمةِ المسلمينَ وعلى أن كلَّ من ولي شيئا من أمورهم عن رضى أو غلبة وامتدت طاعته من بر وفاجر لا يلزم الخروج عليهم بالسيف جار أهـ.
وحكى الإجماع الإمام الطيبي
فقال الإمام الطيبِي([10]): وأمَّا الخروجُ عليهم وتنازعهم فمُحرَّمٌ بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسَقَةً ظالِمين، وأجمع أهلُ السُنَّة على أنَّ السلطانَ لا ينعَزِلُ بالفسقِ؛ لتهيج الفتن في عزلِه، وإراقة الدِّماء، وتفرُّق ذات البَيْن، فتكون المفسدةُ في عزلِه أكثر منها في بقائه )).
وحكى الإمام النووي
فقال([11]): وأما الخروجُ عليهم وقتَالهُم فحرامٌ بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقةً ظالمينَ وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكَرْتُه أهـ.
ولا يتسع المقام لنقل الإجماعات المتواترة كلها ، وسأبسطها إن شاء الله في كتاب مستقل.
وأما كونه أصل من أصول أهل السنة والجماعة فإليك كلام شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله –
قال شيخ الإسلام ابن تيمية([12]): وَلِهَذَا كَانَ مِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ لُزُومُ الْجَمَاعَةِ وَتَرْكُ قِتَالِ الْأَئِمَّةِ وَتَرْكُ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ . وَأَمَّا أَهْلُ الْأَهْوَاءِ – كَالْمُعْتَزِلَةِ – فَيَرَوْنَ الْقِتَالَ لِلْأَئِمَّةِ مِنْ أُصُولِ دِينِهِمْ أهـ.
ومما تقدم يظهر لك أن هذه عقيدة أهل السنة والجماعة فالزمها وعلمها للناس حتى يحذروا الفتن ولا يلتفتوا لهذه الدعوات الخارجية.
ومن خرج على إمامه وشق عصا الطاعة فهو خارجي مبتدع على غير السنة والطريق
قال إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل([13]): ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحد من الناس فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق أهـ
قال الإمام البربهاري([14]): ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين فهو خارجي قد شق عصا المسلمين وخالف الآثار وميتته ميتة جاهلية أهـ.
وقال الحافظ ابن عبد البر([15]): وإلى منازعة الظالم الجائر ذهبت طوائف من المعتزلة وعامة الخوارج أهـ.
فقد سن الخروج من قبل الخوارج فهم سلف كل خارج ، ويرى المعتزلة الخروج على ولاة أمور المسلمين من أصول دينهم واحذر المرجئة أيضاً ومن سار على درب هؤلاء.
فهذه الدعوات للثوارت والخروج مذهبهم وطريقتهم-أي المعتزلة والخوارج- وهذا لا يخدم إلا المخطط الماسوني الصهيوصليبية إما عن قصد أو جهل نسأل الله السلامة والعافية. فهؤلاء خوارج العصر فلا ترفع لهم رأسا ولا تصغ إليهم قط ، وحتى لو تسمى بعضهم باسم السنة والسلفية أوأسماء براقة لا تغتر بهم لأنهم لم يتمسكوا بمنهاج النبوة ، وخالفوا سلف الأمة الصالح سواء كانوا جماعات أو أحزابا أو أفرادا.
فحافظوا على مصر فهي – بفضل الله عز وجل – الصخرة العاتية أمام الحرب الصهيوصليبية والماسونية المدمرة.
وأسأل الله جل وعلا أن يحفظ مصر وبلاد الحرمين وسائر بلاد المسلمين من حقد الحاقدين ومكر الماكرين
والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه بإحسان إلى يوم الدين
******* ر ******
الشيخ / أبو مصعب سيد بن خيثمة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) جامع البيان في تأويل القرآن (ج4/ 149).
([2]) تفسير القرآن العظيم (ج1/ 687).
([3]) متفق عليه : أخرجه البخاري في الفتن (6532) ومسلم (3427 ) في الإمارة.
([4]) متفق عليه: أخرجه البخاري في الجهاد والسير (652) ومسلم (2735) في الإمارة..
([5]) صحيح: أخرجه مسلم (13447) وأحمد ( ج6/ 28) والدارمي (2677) وابن حبان (ج10/ 449) من حديث عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه.
([6]) صحيح: أخرجه مسلم في الإمارة (3441) والطبراني في معجمه الكبير (ج19/334) وسنن البيهقي (ج8/156)
([7]) متفق عليه: أخرجه البخاري في الفتن (6531) ومسلم في الإمارة (3438).
([8]) العقيدة للإمام أحمد ( 71 ، 72 – دار قتيبة- دمشق).
([9]) رسالة إلى أهل الثغر( 296، 297 – العلوم والحكم- دمشق )
([10]) الكاشف عن حقائق السنن (7/181 ـ 182 ).
([11]) شرح مسلم (12/229).
([12]) مجموع الفتاوى (28/ 128).
([13]) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (1/126).
([14]) شرح السنة (ص 29).
([15]) التمهيد (23/ 279).
2018-12-21