الرئيسية / أجوبة هامة / أجوبة هامة كتابي / الجواب رقم (188) هل تقبل توبة المبتدع؟ وما هي شروطها؟ وبيان طريقة السلف في قبول تراجع المبتدع؟

الجواب رقم (188) هل تقبل توبة المبتدع؟ وما هي شروطها؟ وبيان طريقة السلف في قبول تراجع المبتدع؟

السؤال: بعض الدعاة يتراجعون عن مسائل خالفوا فيها منهج السلف الصالح أو قالوا ببدعة ورغبوا الناس فيها ثم يتوبون بعد ذلك فما هي الطريقة الصحيحة لقبول توبة المبتدع أو الداعي إلى البدعة مع توضيح طريقة السلف في قبول تراجع المخالف أو الداعي إلى البدعة؟

الجــــــــــــــواب:

الحق مطلوب أهل الإيمان فإياك والعصبية وعدم التجرد

  من أراد التمسك بالحق فليترك العصبية والعواطف الردية ،  

فمن رام الحق والوصل إليه فليجعل العلم رائده إلى الحق ويتحلى بالإنصاف والعدل

قال ابن عبد الهادي: وَمَا تَحَلَّى طَالِبُ الْعِلْمِ بِأَحْسَنَ مِنْ الْإِنْصَافِ وَتَرْكِ التَّعَصُّبِ

نصب الراية (ج1/ 355).

وإذا كنت منصفاً ومتجردا ومخلصاً لله رجعت إلى الحق من غير مكابرة ولا عناد

قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيِّ: ذَاكَرْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَسَنِ حَدِيثًا وَهُوَ يَوْمَئِذٍ قَاضٍ، فَخَالَفَنِي فِيهِ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، وَعِنْدَهُ النَّاسُ سِمَاطَيْنِ، فَقَالَ لِي: «ذَاكَ الْحَدِيثُ كَمَا ذَكَرْتَ، وَأَرْجِعُ صَاغِرًا»  حلية الأولياء لأبي نعيم (ج9/ 41).

ومعنى (سماطين) أي صفين

الحق مطلوب أهل الإيمان لابد لك أن تدور مع الدليل حث دار لا يدورك إلا الدليل ولا تتبع إلا الحق بإخلاص وتجرد

والمسألة التي نحن بصددها هي ما يتعلق بمن قال كلاما ضلل فيه الناس وأخطاء فيها زيغ وانحراف عن منهج السلف الصالح وهو ما يسمى بتوبة المبتدع أو توبة الداعي إلى البدعة هل يقبل هكذا بمجرد إعلان تراجعه وتوبته أم لابد من أمور وشروط يجب توافرها

قال بعض العلماء أن الله عز وجل لا يتوب على المبتدع واستدلوا بحديث

 أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” إِنَّ اللهَ حَجَبَ التَّوْبَةَ عَنْ صَاحِبِ كُلِّ بِدْعَةٍ ” وَفِي رِوَايَةِ السُّوسِيِّ: ” احْتَجَبَ اللهُ التَّوْبَةَ عَنْ كُلِّ صَاحِبِ بِدْعَةٍ “

أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده (1/377) والبيهقي في شعب الإيمان (12/54) والطبراني في معجمه الأوسط (4/281) وابن أبي عاصم في السنة (1/21) وهو حديث متكلم فيه

وإن صح فمعناه أن المبتدع إذا تاب تاب توبة نصوحا فأن الله عز وجل يقبل منه التوبة  لكن التوبة محجوبة عنه ما دام يرى أن بدعته هذه دينا وقد يدعو الناس إليها

وباب التوبة مفتوح لعموم الأدلة

وقد كان السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم إذا اقترف بدعة أو دعا إليها لا يتعجلون ولا يطمئنون إليه ابتداء حتى يروا صدق توبته وماذا  يفعل

فلابد من مراعاة الأمور الآتية

الأول: أن تكون خالصة لوجه الله تعالى لا تكون لأجل منصب أو رياسة أو ثخوف من بطش السلطان أو السجن والاعتقال أو خوف من القتل

الثاني :وهي الرجوع الحق والصواب وعدم كتمانه .

الثالث: الإصلاح لما أفسدوا بكتمانهم الحق لأن كتمانهم الحق حصل به فساد.

أو القول بخلاف الحق؛ وتغريرهم للناس

الرابع: بيان الحق غاية البيان.وإعلانه واضحا بينا

ونقض ما قاله من الباطل حتى يرجع الناس إلى الصواب من غير تدليس أو مواربة

الخامس: أن يوالي أهل السنة ويعادي أهل البدعة

وهنا تنبيه: رأى جمع من أهل العلم أن يترك المبتدع سنة  فإن ظهر من صدق التوبة الوثبات عليها قبلوه

قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160)

ذكر للإمام أحمد رجل من أهل العلم كانت له زلة، وتاب منها فقال: لايقبل الله ذلك منه حتى يظهر التوبة والرجوع عن مقالته، وليعلمن أنه قال مقالته كيت وكيت، وأنه تاب إلى الله تعالى من مقالته، ورجع عنه، فإذا ظهر ذلك منه حينئذ تقبل، ثم تلا[إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا] ذيل الطبقات (1/ 300)

قال ابن كثير: ثمَّ اسْتَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ فَقَالَ: {إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا} أَيْ: رَجَعُوا عَمَّا كَانُوا فِيهِ وَأَصْلَحُوا أَعْمَالَهُمْ وَأَحْوَالَهُمْ وَبَيَّنُوا لِلنَّاسِ مَا كَانُوا كَتَمُوهُ {فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الدَّاعِيَةَ إِلَى كَفْرٍ، أَوْ بِدْعَةٍ إِذَا تَابَ إِلَى اللَّهِ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ أهـ تفسير القرآن العظيم (1/ 473)

قال ابن جرير الطبري: وَهَذِهِ الْآيَةُ وَإِنْ كَانَتْ نَزَلَتْ فِي خَاصٍّ مِنَ النَّاسِ، فَإِنَّهَا مَعْنِيٌّ بِهَا كُلَّ كَاتِمٍ عِلْمًا فَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى بَيَانَهُ لِلنَّاسِ. أهـ جامع البيان عن تأويل آي القرآن (2/ 731)

فلابد أن ينقض ما قاله من المخالفات  أو الانحرافات التي قالها لا يكفي أن يقول أخطأت ويسكت وتظل الناس في ضلال أو حيرة لابد أن ينقض ما قاله ويبن ما خالفه أو كتمه 

قال ابن القيم : من توبة الداعي إلى البدعة أن يبين أن ما كان يدعو إليه بدعة وضلالة، وأن الهدى في ضده  كما شرط تعالى في توبة أهل الكتاب الذين كان ذنبهم كتمان ماأنزل الله من البينات والهدى ليضلوا الناس بذلك أن يصلحوا العمل في نفوسهم ويبينوا للناس ما كانوا يكتمونهم اياه أهـ من عدة الصابرين (ص 69)

وقال ابن عساكر: {إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلحُوا} أَي أظهرُوا أَنهم كَانُوا على ضلال وَأَصْلحُوا مَا كَانُوا أفسدوه وغروا بِهِ من تَبِعَهُمْ مِمَّن لَا علم عِنْده {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُور رَحِيم} أعلم اللَّه أَن من سَعَة رَحمته وتفضله أَن يغْفر لمن اجترأ عَلَيْهِ هَذَا الاجتراء لِأَن هَذَا مِمَّن لَا غَايَة بعده وَهُوَ أَنه كفر بعد تبين الْحق أهـ من تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري(1/ 385)

قال الشاطبي: قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: “سَأَلَتُ شَيْخَنَا الْإِمَامَ أَبَا مَنْصُورٍ الشِّيرَازِيَّ   عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا} [البقرة: 160]

مَا بَيَّنُوا؟ قَالَ: أَظْهَرُوا أَفْعَالَهُمْ لِلنَّاسِ بِالصَّلَاحِ وَالطَّاعَاتِ. قُلْتُ: وَيَلْزَمُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ لِتَثْبُتَ أمانته، وتصح إمامته، وتقبل شهاداته” .

قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: “وَيَقْتَدِي بِهِ غَيْرُهُ، فَهَذِهِ الْأُمُورُ وَمَا كَانَ مِثْلَهَا تَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى “.أهـ الموافقات (2/ 362)

قال السعدي: {إِلا الَّذِينَ تَابُوا} أي رجعوا عما هم عليه من الذنوب، ندما وإقلاعا، وعزما على عدم المعاودة {وَأَصْلَحُوا} ما فسد من أعمالهم، فلا يكفي ترك القبيح حتى يحصل فعل الحسن.

ولا يكفي ذلك في الكاتم أيضا، حتى يبين ما كتمه، ويبدي ضد ما أخفى، فهذا يتوب الله عليه، لأن توبة الله غير محجوب عنها، فمن أتى بسبب التوبة، تاب الله عليه أهـ تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (1/77)

قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله

من فوائد الآية ((إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)): أن توبة الكاتمين للعلم لا تكون إلا بالبيان، والإصلاح؛ لقوله تعالى: { إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا }: ثلاثة شروط:

 الأول: التوبة؛ وهي الرجوع عما حصل من الكتمان.

 الثاني: الإصلاح لما فسد بكتمانهم؛ لأن كتمانهم الحق حصل به فساد.

 الثالث: بيان الحق غاية البيان.

وبهذا تبدل سيئاتهم حسنات.

قوله تعالى: { وأصلحوا } أي أصلحوا عملهم { وبينوا } أي وضحوا للناس ما كتموا من العلم ببيانه، وبيان معانيه؛ لأنه لا يتم البيان إلا ببيان المعنى؛ { فأولئك } يعني الذين تابوا، وأصلحوا، وبينوا { أتوب عليهم } أي أقبل منهم التوبة؛ لأن توبة الله على العبد لها معنيان؛ أحدهما: توفيق العبد للتوبة؛ الثاني: قبول هذه التوبة، كما قال الله تعالى: { ثم تاب عليهم ليتوبوا }.

 تفسير سورة البقرة للعلامه ابن عثيمين (2/196،201)

ورأي جمع من أهل العلم في توبة الداعي إلى البدعة أنه يؤجل سنة حتى يظهر منه صدق التوبة

عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ , أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ يُقَالُ لَهُ: صَبِيغُ بْنُ عِسْلٍ قَدِمَ الْمَدِينَةَ , وَكَانَتْ عِنْدَهُ كُتُبٌ , فَجَعَلَ يَسْأَلُ عَنْ مُتَشَابَهِ الْقُرْآنِ , فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ , فَبَعَثَ لَهُ , وَقَدْ أَعَدَّ لَهُ عَرَاجِينَ النَّخْلِ , فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ جَلَسَ فَقَالَ لَهُ: ” مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا صَبِيغٌ , فَقَالَ عُمَرُ: وَأَنَا عُمَرُ عَبْدُ اللَّهِ , ثُمَّ أَهْوَى إِلَيْهِ فَجَعَلَ يَضْرِبُهُ بِتِلْكَ الْعَرَاجِينِ حَتَّى شَجَّهُ , فَجَعَلَ الدَّمُ يَسِيلُ عَلَى وَجْهِهِ , فَقَالَ: حَسْبُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ , فَقَدْ وَاللَّهِ ذَهَبَ الَّذِي كُنْتُ أَجِدُ فِي رَأْسِي “

أخرجه ابن بطة في الإبانة الكبرى (3/609) والدارمي في ” سننه ” (1/ 54)، والآجري في ” الشريعة ( ص 73) واللالكائي (1138)  

قال شيخ الإسلام: وقال في السارق: {فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ} [المائدة: 39] . وقال: {وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا} [النساء: 16] .

ولهذا شرط الفقهاء في أحد قوليهم في قبول شهادة القاذف أن يصلح وقدروا ذلك بسنة كما فعل عمر بصبيغ بن عسل لما أجله سنة , وبذلك أخذ أحمد في توبة الداعي إلى البدعة أنه يؤجل سنة كما أجل عمر صبيغ بن عسل.أهـ من الإيمان (1/73)

بعض الدعاة أو العلماء يعلن أنه تاب ولا يظهر من علامات التوبة

قال ابن قدامة: وقد ذكر القاضي، أن التائب من البدعة يعتبر له مضي سنة، لحديث صبيغ. رواه أحمد في ” الورع “، قال: ومن علامة توبته، أن يجتنب من كان يواليه من أهل البدع، ويوالي من كان يعاديه من أهل السنة.أهـ من المغني (10/183)

عن الحسن بن شقيق قال :

كنا عند ابن المبارك ؛ إذ جاءه رجلٌ فقال له [ ابن المبارك ]: « أنت ذاك الجهمي؟

قال: نعم ،

قال : إذا خرجت من عندي فلا تَعُدْ إليَّ؛

قال الرجل : فأنا تائب ،

قال : لا ؛ حتى يظهر من توبتك مثل الذي ظهر من بدعتك ».

   الإبانة الصغرى لابن بطة (ص/31(.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: لأن الظاهر إنما يكون دليلا صحيحا معتمدا إذا لم يثبت أن الباطن بخلافه فإذا قام دليل على الباطن لم يلتفت إلى الظاهر قد علم أن الباطن بخلافه أهـ من الصارم المسلول (1/ 346)

 والله أعلم

***** ر *****

الشيخ/ أبو مصعب سيد بن خيثمة 

عن khithma