الجواب رقم (183): كيف نجمع بين قوله تعالى{ وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا} الإسراء آية (45) وبين قوله تعالى { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} الحج آية (52)
نشرت بواسطة: khithma
في أجوبة هامة كتابي
11 يونيو، 2021
786 زيارة
السؤال :هذا سؤال يوجهه إليك أحد الدكاترة ويقول: متعك الله بالصحة والعافية والمسلمين
هذه آية كريمة {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا} (45)
كيف نجمع بينها وبين الآية الكريمة الأخرى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52)
الجـــــــــــواب:
الحمد لله أنا بخير والحمد لله وجزاك الله خير على السؤال عنى وعلى الدعاء بارك الله فيك
وأما فيما يتعلق بهذا السؤال فلابد من فهم التفسير من الأية الأولى والمراد من سياق والألفاظ وكذلك الأية الثانية لابد من فهم معناها أو المراد منها
فلا تضاد ولا اختلاف بين الآيتين
قال تعالى: وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (45) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (46)
الله جل جلاله يخبر عن عقوبته لأهل الكفر وأهل الشرك الذين كبوا بالحق ردوه وأعرضوا عما في كتاب الله سبحانه وتعالى يخبر أنه أنه يحول بينهم وبين الإيمان والهد ى والرشاد فلا يؤمنون به ولا يهتدون به قال تعالى {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا}
وفي معنى حجابا مستورا قولان:
القول الأول: حجابا مستور أي حائلا وساترا}
وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا ; أَيْ حَائِلًا وَسَاتِرًا يَمْنَعُهُمْ مِنْ تَفَهُّمِ الْقُرْآنِ وَإِدْرَاكِهِ وفقهه أو فهم معانيه
ومن الأدلة هذا القول ما في الآية
وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (46)
وكذلك قوله وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ [41 \ 5] ، وَقَوْلِهِ: خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ الْآيَةَ [2 \ 7] ، وَقَوْلِهِ: إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ الْآيَةَ [18 \ 57]
والقول الثاني :أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحِجَابِ الْمَسْتُورِ أَنَّ اللَّهَ يَسْتُرُهُ عَنْ أَعْيُنِ الْكُفَّارِ فَلَا يَرَوْنَهُ.
والقول الأول: هو الأظهر الله جل وعلا يجعل ساترا بينهم وبين فهم القرآن وإدرك معانيه والانقياد له والهدى به
وقوله {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} أي: أغطية وأغشية لا يفقهون معها القرآن بل يسمعونه سماعا تقوم به عليهم الحجة، {وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا} أي: صمما عن سماعه، {وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآن} داعيا لتوحيده ناهيا عن الشرك به.
وأما الأية الثانية: وهي قوله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52)
الله جل وعلا يخبر أنه ما أرسل قبل محمد صلى الله عليه وسلم من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى أي: قرأ قراءته، التي يذكر بها الناس، ويأمرهم وينهاهم، {أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} أي: في قراءته، من طرقه ومكايده، ما هو مناقض لتلك القراءة
ومعنى {أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} أي في قراءته هذا هو القول الأول
والقول الثاني: أن معنى تمنى تَمَنَّى فِي الْآيَةِ مِنَ التَّمَنِّي الْمَعْرُوفِ، وَهُوَ تَمَنِّيهِ إِسْلَامَ أُمَّتِهِ وَطَاعَتَهُمْ لِلَّهِ وَلِرُسُلِهِ، فَعَلَى [ هذا] أَنْ معنى تَمَنَّى [أي ] أَحَبَّ إِيمَانَ أُمَّتِهِ
وَمَعْنَى كَوْنِ الْإِلْقَاءِ فِي أُمْنِيَّتِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ: أَنَّ الشَّيْطَانَ يُلْقِي وَسَاوِسَهُ وَشُبَهَهُ لِيَصُدَّ بِهَا عَمَّا تَمَنَّاهُ الرَّسُولُ أَوِ النَّبِيُّ، فَصَارَ الْإِلْقَاءُ كَأَنَّهُ وَاقِعٌ فِيهَا بِالصَّدِّ عَنْ تَمَامِهَا وَالْحَيْلُولَةِ دُونَ ذَلِكَ.
وَعَلَى أَنَّ تَمَنَّى بِمَعْنَى: قَرَأَ، فَفِي مَفْعُولِ أَلْقَى تَقْدِيرَانِ:
أَحَدُهُمَا: مِنْ جِنْسِ الْأَوَّلِ أَيْ: أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي قِرَاءَةِ الرَّسُولِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَوِ النَّبِيِّ الشُّبَهَ وَالْوَسَاوِسَ لِيَصُدَّ النَّاسَ عَنِ اتِّبَاعِ مَا يَقْرَؤُهُ، وَيَتْلُوهُ الرَّسُولُ أَوِ النَّبِيُّ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَلَا إِشْكَالَ.
وَأَمَّا التَّقْدِيرُ الثَّانِي: فَهُوَ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ أَيْ قِرَاءَتِهِ مَا لَيْسَ مِنْهَا لِيَظُنَّ الْكُفَّارُ أَنَّهُ مِنْهَا
ومعنى قوله تعالى {فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ} أي: يزيله ويذهبه ويبطله، ويبين أنه ليس من آياته، و {يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ} أي: يتقنها، ويحررها، ويحفظها، فتبقى خالصة من مخالطة إلقاء الشيطان، {وَاللَّهُ عَزِيزٌ} أي: كامل القوة والاقتدار، فبكمال قوته، يحفظ وحيه، ويزيل ما تلقيه الشياطين، {حَكِيمٌ} يضع الأشياء مواضعها
ما يستفاد من الآيتين
في الأية الأولى {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا}
أن أهل الكفر والشرك كانوا يبغضون القرآن وينفرون من سماعه وإذا ذكر الله اشمأزت قلوبهم ويصدون عن سبيل الله فعاقبهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن جعل الله بينه وبين
أهل الكفر والشرك والقرآن حجابا ساترا عن فهمه وتدبره جعل الله على قلوبهم أكنة وأغشية أن يفهموه ويفقهوه إلخ
وهذا يدل على مكانة القرآن وحفظه وصونه ممن يبغض القرآن ويببغض الرسول صلى الله عليه وسلم وينفر من القرآن وأيضا تبين مكانةالنبي صلى الله عليه وسلم
وفي الأية الثانية: أن الله حفظ رسله من كيد الشيطان وطرقه مكره وما قد يلقيه عليهم من التلبيس أو النقص أو التغير في القراءة أو في التليغ في الدعوة وحفظ آياته من التغيير أو التبديل والتلبيس وهذا يدل على مكانته رسله وأنبيائه وحفظه لهم ومكانتة القرآن الكريم وأنه كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه
والله جل جلاله قد عصم الرسل بما يبلغون عن الله، وحفظ وحيه أن يشتبه، أو يختلط بغيره
والله أعلم
انظر تفسير ابن كثير (ج 5/ 81، 82) (ج5/441، 442، 443) وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (ص 459) (ص 542) وانظر أضواء البيان (ج3/ 159) (ج5 / 284 إلى 286) وغير ذلك من كتب التفسير.
***** ر *****
الشيخ/أبو مصعب سيد بن خيثمة
2021-06-11