الرئيسية / أجوبة هامة / أجوبة هامة كتابي /  الجواب رقم (179) هل ينهى المسلم عن صيام يوم السبت منفردا أو مضافا؟

 الجواب رقم (179) هل ينهى المسلم عن صيام يوم السبت منفردا أو مضافا؟

السؤال:رجل عليه قضاء صيام من رمضان فصام يوم السبت منفردا فهل يتعارض هذا مع حديث النهي عن صيام يوم السبت بارك الله فيكم.

الجــــــــــــــــــــــــــــــواب:

قد جاء النهي عن صام يوم السبت إلا الفرض استثني الفرض

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ، عَنْ أُخْتِهِ- الصماء-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لاَ تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلاَّ فِيمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلاَّ لِحَاءَ عِنَبَةٍ أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضُغْهُ.

أخرجه أحمد (6/368)، والدارمي (1749) ، وأبو داود (2421) ، وابن ماجه (1726) ، والترمذي (744) ، والنسائي في “الكبرى” (2762) ، وابن خزيمة (2163) ، والطحاوي (2/80)   وغيرهم  عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ، عَنْ أُخْتِهِ، به.

أقوال الفقهاء وحمل الحديث

تنازع العلماء في هذا الحديث من جهة فقهه وعلى أي شيئ يحمل أوالكلام في الحديث إلخ على أقوال

 قد ذهب جمهور العلماء من الحنفية والشافعية والحنابلة وغيرهم إلى كراهة إفراد السبت بالصوم   

فحملوا حديث  الصماء على أن المنع من إفراد صيام يوم السبت وأنه يكره صيامه للتنزيه لعدم التشبه باليهود

واستدلوا بحديث أم سلمة قالت : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَرُ مَا كَانَ يَصُومُ مِنَ الْأَيَّامِ يَوْمُ السَّبْتِ وَالْأَحَدِ، وَكَانَ يَقُولُ: “إِنَّهُمَا عِيدَانِ لِلْمُشْرِكِينَ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَهُمْ”

أخرجه  أحمد (6/ 323) والنسائي في الكبري (2776) وابن حبان (8/381)

 ومن أهل العلم من رأى حمل الحديث على المنع من صيام يوم السبت مفردا أو مضافا  

قالوا وتأويل الحديث بالنهي عن صوم السبت مفردا يأباه قوله : ” إلا فيما افترض عليكم  فبعض العلماء يقول: ” دليل على المنع من صومه في غير الفرض مفردا أو مضافا ” لأن الاستثناء دليل التناول وهو يقتضي أن النهي عنه يتناول كل صور صومه إلا صورة الفرض ولو كان إنما يتناول صورة الأفراد لقال : لا تصوموا يوم السبت إلا أن تصوموا يوما قبله أو يوما بعده كما قال في الجمعة فلما خص الصورة المأذون فيها صومها بالفريضة علم تناول النهي لما قابلها

ومعنى افترض عليكم : المكتوب والمنذور وقضاء الفوائت وصوم الكفارة أهـ

وقد ذهب مالك وأحمد وغيره إلى جواز صيام يوم السبت تطوعا حتى ولو كان منفردا وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وقد رأوا أن حديث الصماء ضعيف

ومع ضعفه فإنه معارض للأحاديث الصحيحة المعارضة له حديث جويرية وحديث أبي أيوب في أيام ست من شوال وغيرها

القول الراجح

القول الأخير هو الراجح وهو جواز صيام يوم السبت تطوعا ولو منفردا لا سيما إذا كان يوم السبت وافق صيام ندب إليه أو سنة كصيام يوم عرفة وذلك لعدة أمور

أولا:طعن العلماء في الحديث

حديث الصماء لا تصوموا يوم السبت …الحديث       توافق على إعلاله والطعن فيه جمع كبير من أئمة الحديث والعلل

قال أبو داود وهذا حديث منسوخ   وروى الحاكم عن الزهري أنه كان إذا ذكر له الحديث قال هذا حديث حمصي علق الطحاوي على كلام الزهري بقوله: فلم يعده الزهري حديثا يقال به وضعفه.

 وعن الأوزاعي قال ما زلت له كاتما حتى رأيته قد اشتهر وقال أبو داود في السنن قال مالك هذا الحديث كذب انظر تلخيص الحبير (2/216)

والإمام أحمد بن حبل كا يتقي هذا الحديث ولا يحتج به

قال شيخ الإسلام ابن تيمية :فهذا الأثرم فهم من كلام أبي عبد الله أنه توقف عن الأخذ بالحديث وأنه رخص في صومه حيث ذكر الحديث الذي يحتج به في الكراهة وذكر أن الإمام في علل حديث يحيى بن سعيد كان يتقيه ويأبى أن يحدث به فهذا تضعيف للحديث أهـ من اقتضاء الصراط المستقيم (ج1/ 263)

وقد أعل الحديث بعض أهل العلم بالاضطراب منهم النسائي وابن حجر

قال النسائي هذا حديث مضطرب وقال ابن حجر : لكن هذا التلون في الحديث الواحد بالإسناد الواحد مع اتحاد المخرج يوهن راويه وينبئ بقلة ضبطه إلا أن يكون من الحفاظ المكثرين المعروفين بجمع طرق الحديث فلا يكون ذلك دالا على قلة ضبطه وليس الأمر هنا كذا بل اختلف فيه أيضا على الراوي عن عبد الله بن بسر أيضا أهـ من تلخيص الحبير (2/216)

وقد روي الحديث على طرق متعددة مختلفة فقد جاء عن عبد الله بن بسر عن أخته الصماء ومن حديث عبد الله بن بسر عن أمه ومن حديث بن بسر عن أبيه  ومن حديث الصماء عن عائشة رضي الله عنها

وهذا الاختلاف يدل على الاضطراب

وقد ترك البعض إعلال الأئمة للحديث وأخذ بتحسين الترمذي أو تصحيح الألباني له.

ثانيا:حديث النهي عن صيام يوم معارضات كثيرة من أحاديث صحيحة  

منها ما جاء عَنْ جُوَيْرِيَةَ قَالَتْ: ” دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَأَنَا صَائِمَةٌ، فَقَالَ: أَصُمْتِ أَمْسِ؟ فَقُلْتُ: لَا، فَقَالَ: أَتَصُومِينَ غَدًا؟ فَقُلْتُ: لَا، فَقَالَ: أَفْطِرِي “ أخرجه البخاري

فيه دليل على أن صيام يوم الست جائز ليس فيه بأس

وعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، يَقُولُ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ، وَكَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيْقُومُ ثُلُثَهُ، وَيْنَامُ سُدُسَهُ» أخرجه البخاري ومسلم

وأيضا جاء عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ» أخرجه مسلم

قد يكو يوم السبت فيها في صيام ست من شوال

عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، حَدَّثَتْهُ قَالَتْ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ [ص:39] كُلَّهُ “أخرجه البخاري

وفي رواية عند مسلمكَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلًا “وكذلك صيام أيام البيض

كل هذه الأحاديث الصحيحة معارضة لحديث الصماء

قال بعض العلماء ومن هنا تعلم أن حديث النهي عن صيام يوم السبت شاذ لأنه مخالف لما هو أرجح منه

وقد قال الحاكم في المستدرك بعد أن أخرج هذا الحديث : وله معارض بإسناد صحيح :  ثم ذكر حديث جويرية بنت الحارث ، أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة ، فقال : » صمت أمس ؟ « قالت : لا ، قال : » فتريدين أن تصومي غدا ؟ « الحديث  

ثالثا: عدم استقامة المتن ونكارته

أولا:عدم استقامة متنه لأنه مخالف للأحاديث الصحيحة

قال شيخ الإسلام ابن تيمية :  واحتج الأثرم بما دل من النصوص المتواترة، على صوم يوم السبت، ولا يقال: يحمل النهي على إفراده؛ لأن لفظه: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم» والاستثناء دليل التناول، وهذا يقتضي أن الحديث عم صومه على كل وجه، وإلا لو أريد إفراده لما دخل الصوم المفروض ليستثنى فإنه لا إفراد فيه، فاستثناؤه دليل على دخول غيره، بخلاف يوم الجمعة، فإنه بين أنه إنما نهى عن إفراده.

وعلى هذا؛ فيكون الحديث: إما شاذا غير محفوظ، وإما منسوخا أهـ من اقتضاء الصراط المستقيم (ج1/ 263)

ثانيا: في الحديث فَإِن لم يجدْ أحدُكم إِلا لِحاءَ عِنَبَة أو عُودِ شجر فليمْضَغْهُ

الإنسان إذا أراد أن يفطر فلا يحتاج إلى أن يتكلف عود شجرة   يمكن أنه يفطر ولو بالنية

فكل ما سبق يدل أنه يجوز صيام يوم السبت مفرد أو مضافا لا سيما إذا وافق صيام ندب إليه أوسنة كصيام يوم عرفة

  والله أعلم

******* ر ******

الشيخ/ أبو مصعب سيد بن خيثمة

عن khithma