الرئيسية / العقيدة / ردود على الشبهات / الرد رقم (16) على شبهة جواز الخروج على الحاكم الفاسق

الرد رقم (16) على شبهة جواز الخروج على الحاكم الفاسق

الرد رقم (16) على شبهة جواز الخروج على الحاكم الفاسق

بما ورد في بعض طرق حديث عبادة ابن الصامت (إلا أن تكون معصية لله بواحا) وهو عند ابن حبان

والمخالفون يستدلون بهذا اللفظ على جواز الخروج على الحاكم الظالم أو أنها مسألة خلافية ويطعنون على الإجماعات. وهذا معلوم بطلانه والإجماعات ثابتة وواضحة وضوح الشمس في ضحاها.

الرد على هذه الشبهة من أوجه([1]).

الرواية التي في الصحيحين  هي (إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا) والرواية التي عند ابن حبان هي (إلا أن تكون معصية لله بواحا).

وجهان للرد على هذه الشبهة.

هذا إذا ثبت لفظ (معصية لله بواحا) وثبوتها يحتاج إلى نظر في الحقيقة هي في غير الصحيحين وربما يكون بعض الرواة قد بدل اللفظ وذكره بالمعنى لكن على افتراض ثبوت اللفظ سأبين المراد منه.

هنا أسألكم سؤالاً:

هل مرادكم أنه إذا ظهر من الإمام المعصية البواح يقام عليه ويخرج عليه لأنه لا طاعة له في المعصية البواح؟ إن كان هذا فهمك فهذا ما فهمه الخوارج من النصوص.

   قال بدر الدين العيني([2]): قَالَ ابْن بطال: احْتج بِهَذَا الْخَوَارِج فَرَأَوْا الْخُرُوج على أَئِمَّة الْجور وَالْقِيَام عَلَيْهِم عِنْد ظُهُور جَوْرهمْ أهـ

 أي احتجوا بحديث ((السَّمْعُ والطَّاَعَةُ حَقٌّ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بالْمَعْصِيَةِ فإذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلاَ سَمْعَ وَلَا طاعَةَ)).

والمخالفون يحتجون بجواز الخروج على الأئمة بمثل ذلك (إلا أن تروا معصية لله بواحاً) ([3]) …إلخ

 هنا وجهان للرد

الأول: تفسر المعصية بالكفر الصريح

ولذلك أمور.

1- الأحاديث طافحة بالمنع من الخروج على الحاكم عدلوا  أو جاروا.

2- الإجماعات ثابتة في السمع والطاعة لولاة الأمور وإن فسقوا والصبر على جورهم وترك الخروج عليهم

3- فسر العلماء لفظ كفر بواحا بالكفر الصريح  الكفر المخرج عن الملة وهذا بالإجماع وأيضا لا يجوز الخروج عليهم بالفسق وهذا نقلته في موضعه فليراجع.

قال الشوكاني([4]) : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجُوزُ الْمُنَابَذَةُ إلَّا عِنْدَ ظُهُورِ الْكُفْرِ الْبَوَاحِ وَهُوَ بِمُوَحَّدَةٍ فَمُهْمَلَةٍ. قَالَ الْخَطَّابِيِّ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ” بَوَاحًا ” يُرِيدُ ظَاهِرًا بَادِيًا أهـ

إذاً  لابد أن تفسر المعصية بالكفر البواح

 وكذا حمل رواية  أحمد (ما لم يأمروك بإثم بواحا)  الإثم البواح على الكفر.

قال ابن حجر([5]) : وَقَالَ غَيْرُهُ الْمُرَادُ بِالْإِثْمِ هُنَا الْمَعْصِيَةُ وَالْكُفْرُ فَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى السُّلْطَانِ إِلَّا إِذَا وَقَعَ فِي الْكُفْرِ الظَّاهِرِ أهـ

الوجه الثاني حمل رواية (كفراً بواحاً) إذا كانت المنازعة على الملك.

بمعنى أنه لا يجوز منابذة ولي الأمر ومنازعته الملك والخروج عليه إلا إذا ظهر منه الكفر البواح.

وحمل رواية (معصية لله بواحاً ) على ما إذا كانت المنازعة فيما عدا الملك

يعني يجب السمع والطاعة للأمير إلا في المعصية فلا يطاع في المعصية والإثم فطاعة ولاة الأمر في المعروف

   والإنكار عليهم ونصحهم برفق – إذا استطاع – وليس علنا  بالتشهير بهم والنحريض عليهم كما عليه أهل السنة.

ويساعدنا على هذا الفهم أن ألفاظ حديث (كفراً بواحا)  فيها بعض الاختلاف عن حديث (معصية لله بواحاً). تأمل هذا

الحديث بالفظ الأول

عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ([6]) – رضي الله عنه – قَالَ: دَعَانَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: «أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا، عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ» أخرجه الشيخان

الحديث باللفظ الثاني:

عن جُنَادَةَ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ، سَمِعَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ([7])، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: «يَا عُبَادَةُ» . قُلْتُ: لَبَّيْكَ، قَالَ: «اسْمَعْ وَأَطِعْ فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ، وَإِنْ أَكَلُوا مَالَكَ وَضَرَبُوا ظَهْرَكَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ مَعْصِيَةً لِلَّهِ بَوَاحًا»

 قال ابن حجر([8]) : وَالَّذِي يَظْهَرُ حَمْلُ رِوَايَةِ الْكُفْرِ عَلَى مَا إِذَا كَانَتِ الْمُنَازَعَةُ فِي الْوِلَايَةِ فَلَا يُنَازِعُهُ بِمَا يَقْدَحُ فِي الْوِلَايَةِ إِلَّا إِذَا ارْتَكَبَ الْكُفْرَ وَحَمْلُ رِوَايَةِ الْمَعْصِيَةِ عَلَى مَا إِذَا كَانَتِ الْمُنَازَعَةُ فِيمَا عَدَا الْوِلَايَةِ فَإِذَا لَمْ يَقْدَحْ فِي الْوِلَايَةِ نَازَعَهُ فِي الْمَعْصِيَةِ بِأَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِ بِرِفْقٍ وَيَتَوَصَّلَ إِلَى تَثْبِيتِ الْحَقِّ لَهُ بِغَيْرِ عُنْفٍ وَمَحَلُّ ذَلِكَ إِذَا كَانَ قَادِرًا أهــ

وهنا أنبه : أنه يكفي الإنسان أن يكره أو ينكر بقلبه  (ما يفعله ولي الأمر من المعاصي) إذا لم يستطع أن ينكر وينصح للأمير بلسانه وبرفق أما الإنكار عليهم باليد و باللسان بالطعن والسب فهذا خطر يؤدي إلى الخروج عليه.

قال الشوكاني([9]): وَيُمْكِنُ حَمْلُ حَدِيثِ الْبَابِ وَمَا وَرَدَ فِي مَعْنَاهُ عَلَى عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّغْيِيرِ بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ مُخْتَصًّا بِالْأُمَرَاءِ إذَا فَعَلُوا مُنْكَرًا لِمَا فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مِنْ تَحْرِيمِ مَعْصِيَتِهِمْ وَمُنَابَذَتِهِمْ، فَكَفَى فِي الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ مُجَرَّدُ الْكَرَاهَةِ بِالْقَلْبِ، لِأَنَّ فِي إنْكَارِ الْمُنْكَرِ عَلَيْهِ بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ تَظَهُّرًا بِالْعِصْيَانِ، وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ وَسِيلَةً إلَى الْمُنَابَذَةِ بِالسَّيْفِ.أهـ

******* *******

الشيخ / أبو مصعب سيد بن خيثمة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1])  وانظر كتاب مناقشة علمية ل19 مسألة متعلقة بحكام المسلمين (ص58)..  

([2]) عمدة القاري شرح صحيح البخاري (ج 14| 221).   

([3])  والمخالفون يستدلون بهذا اللفظ على جواز الخروج على الحاكم الظالم أو أنها مسألة خلافية ويطعنون على الإجماعات. وهذا معلوم بطلانه والإجماعات ثابتة وواضحة وضوح الشمس في ضحاها.  

([4]) نيل الأوطار (ج7/ 206).

([5]) شرح صحيح البخاري (ج10/8،9).  

([6]) متفق عليه : أخرجه البخاري في الفتن  (6532) ومسلم (3427 ) في الإمارة 

([7]) أخرجه ابن حبان (ج10/ 428) وأبو سعيد الهيثم الشاشي في مسنده (ج3: 150).  

([8])فتح الباري (ج13/8).  

([9]) نيل الأوطار (ج7/ 206،207).  

عن khithma