آخر الأخبار
الرئيسية / مقالات / أسباب سعادة الأمة الإسلامية – الشيخ عبد العزيز بن باز

أسباب سعادة الأمة الإسلامية – الشيخ عبد العزيز بن باز

أسباب سعادة الأمة الإسلامية

قال الشيخ عبد العزيز بن باز _ رحمه الله _

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد : فيا معشر المسلمين :

مما لا شك فيه لكل ذي عقل سليم أن الأمم لا بد لها من موجه يوجهها , ويدلها على طريق السداد , وأمة محمد هي أفضل الأمم وأخصها بالقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الخير , مقتدية بإمامها ورسولها محمد صلى الله عليه وسلم , وذلك من أسباب سعادتها ونجاتها في الدنيا والآخرة . ف الواجب على كل مسلم بقدر استطاعته وعلى حسب علمه ومقدرته , أن يشمر عن ساعد الجد في النصح والتوجيه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى تبرأ ذمته ويهتدي به غيره . قال تعالى : { وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ } (1)

ولا ريب أن كل مؤمن بل كل إنسان في حاجة شديدة إلى التذكير بحق الله وحق عباده والترغيب في أداء ذلك , وفي حاجة شديدة إلى التواصي بالحق والصبر عليه . وقد أخبر الله سبحانه في كتابه المبين عن صفة الرابحين وأعمالهم الحميدة وعن صفة الخاسرين وأخلاقهم الذميمة , وذلك في آيات كثيرات من القرآن الكريم , أجمعها ما ذكره الله سبحانه في سورة العصر حيث قال : { وَالْعَصْرِ } (2) { إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ } (3) { إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ } (4)

فأرشد عباده عز وجل في هذه السورة القصيرة العظيمة إلى أن أسباب الربح تنحصر في أربع صفات :

الأولى : الإيمان بالله ورسوله .

والثانية : العمل الصالح .

والثالثة : التواصي بالحق .

والرابعة : التواصي بالصبر .

فمن كمل هذه المقامات الأربعة فاز بأعظم الربح واستحق من ربه الكرامة والفوز بالنعيم المقيم يوم القيامة ومن حاد عن هذه الصفات ولم يتخلق بها باء بأعظم الخسران , وصار إلى الجحيم دار الهوان , وقد شرح الله سبحانه في كتابه الكريم صفات الرابحين ونوعها كررها في مواضع كثيرة من كتابه ليعرفها طالب النجاة فيتخلق بها ويدعو إليها , وشرح صفات الخاسرين في آيات كثيرة , ليعرفها المؤمن ويبتعد عنها , ومن تدبر كتاب الله وأكثر من تلاوته عرف صفات الرابحين وصفات الخاسرين على التفصيل , كما قال سبحانه ذلك في آيات كثيرة منها ما تقدم , ومنها قوله جل وعلا : { إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا } (5)

وقال تعالى : { كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ } (6) وقال تعالى : { وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } (7)

وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « خيركم من تعلم القرآن وعلمه » (8)

 وقال صلى الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع على رءوس الأشهاد يوم عرفة : « إني تارك فيكم ما لن تضلوا إن اعتصمتم به كتاب الله » (9)

فبين الله سبحانه في هذه الآيات أنه أنزل القرآن ليتدبره العباد ويتذكروا به ويتبعوه ويهتدوا به إلى أسباب السعادة والعزة والنجاة في الدنيا والآخرة , وأرشد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى تعلمه وتعليمه , وبين أن خير الناس هم أهل القرآن الذين يتعلمون القرآن ويعلمونه غيرهم للعمل به واتباعه والوقوف عند حدوده , والحكم به والتحاكم إليه .

وأوضح عليه الصلاة والسلام للناس في المجمع العظيم يوم عرفة أنهم لن يضلوا ما داموا معتصمين بكتاب الله سائرين على تعاليمه . ولما استقام السلف الصالح والصدر الأول من هذه الأمة على تعاليم القرآن وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم , أعزهم الله ورفع شأنهم ومكن لهم في الأرض تحقيقا لما وعدهم الله به في قوله سبحانه : { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا } (10)

وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ } (11) وقال تعالى : { وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } (12) { الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ } (13)

فيا معشر المسلمين : تدبروا كتاب ربكم

وأكثروا من تلاوته وامتثلوا ما فيه من الأوامر واجتنبوا ما فيه من النواهي واعرفوا الأخلاق والأعمال التي مدحها القرآن فسارعوا إليها , وتخلقوا بها واعرفوا الأخلاق والأعمال التي ذمها القرآن وتوعد أهلها فاحذروها وابتعدوا عنها وتواصوا فيما بينكم بذلك , واصبروا عليه حتى تلقوا ربكم , وبذلك تستحقون الكرامة وتفوزن بالنجاة والسعادة والعزة في الدنيا والآخرة .

و من أهم الواجبات على المسلمين العناية ب سنة الرسول صلى الله عليه وسلم والتفقه فيها والسير على ضوئها ; لأنها الوحي الثاني , وهي المفسرة لكتاب الله والمرشدة إلى ما قد يخفى من معانيه , كما قال سبحانه في كتابه الكريم { وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } (14) وقال تعالى { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ } (15) وقال تعالى { وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } (16)

وقال سبحانه وتعالى { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا } (17) وقال تعالى { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } (18) والآيات الدالة على وجوب اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم وتعظيم سنته والتمسك بها والتحذير من مخالفتها أو التهاون بها كثيرة جدا , يعلمها من تدبر القرآن الكريم وتفقه فيما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم من الأحاديث الصحيحة.

ولا صلاح للعباد ولا سعادة ولا عزة ولا كرامة ولا نجاة في الدنيا والآخرة إلا باتباع القرآن الكريم وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وتعظيمهما والتواصي بهما في جميع الأحوال والصبر على ذلك كما قال الله عز وجل { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } (19) وقال تعالى : { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } (20) وقال تعالى : { وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ } (21)

فأرشد الله سبحانه العباد في هذه الآيات الكريمات إلى أن الحياة الطيبة والراحة والطمأنينة والعزة الكاملة إنما تحصل لمن استجاب لله ولرسوله واستقام على ذلك قولا وعملا , وأما من أعرض عن كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام واشتغل عنهما بغيرهما فإنه لا يزال في العذاب والشقاء , في الهموم والغموم والمعيشة الضنك , وإن ملك الدنيا بأسرها , ثم ينقل إلى ما هو أشد وأفظع وهو عذاب النار , عياذا بالله من ذلك , كما قال تعالى : { وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ } (22) { فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ } (23)

وقال تعالى : { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى } (24) { وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى } (25) وقال عز من قائل : { وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } (26) وقال سبحانه وتعالى : { إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ } (27) { وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ } (28)

قال بعض المفسرين : إن هذه الآية تعم أحوال الأبرار والفجار في الدنيا والآخرة , فالمؤمن في نعيم في دنياه وقبره وآخرته , وإن أصابه في الدنيا ما أصابه من أنواع المصائب كالفقر والمرض ونحوها , والفاجر في جحيم في دنياه وقبره وآخرته وان أدرك ما أدرك من نعيم الدنيا , وما ذاك إلا لأن النعيم في الحقيقة هو نعيم القلب راحته وطمأنينته . فالمؤمن – بإيمانه بالله واعتماده عليه استغنائه به وقيامه بحقه , وتصديقه بوعده – مطمئن القلب منشرح الصدر , مرتاح الضمير . والفاجر – لمرض قلبه وجهله وشكه وإعراضه عن الله , وتشعب قلبه في مطالب الدنيا وشهواتها – في عذاب وقلق وتعب دائم , ولكن سكرة الهوى والشهوات تعمي العقول عن التفكير في ذلك والإحساس به .

فيا معشر المسلمين : انتبهوا لما خلقتم له من عبادة الله وطاعته وتفقهوا في ذلك واستقيموا عليه حتى تلقوا ربكم عز وجل , تفوزوا بالنعيم المقيم وتسلموا من عذاب الجحيم .

قال الله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ } (29) { نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ } (30) { نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ } (31)

وقال عز وجل : { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ لَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } (32) { أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } (33)

والله المسئول أن يجعلنا وجميع المسلمين منهم , وأن يعيذنا جميعا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا , إنه على كل شيء قدير , وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه .

 مجموع فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز [ج5/ ص 93 إلى 100].

 __________

(1) سورة الذاريات الآية 55
(2) سورة العصر الآية 1
(3) سورة العصر الآية 2
(4) سورة العصر الآية 3
5) سورة الإسراء الآية 9
(6) سورة ص الآية 29
(7) سورة الأنعام الآية 155
(8) صحيح البخاري فضائل القرآن (4739),سنن الترمذي فضائل القرآن (2907),سنن أبو داود الصلاة (1452),سنن ابن ماجه المقدمة (211),مسند أحمد بن حنبل (1/69),سنن الدارمي فضائل القرآن (3338).
(9) صحيح مسلم الحج (1218),سنن أبو داود المناسك (1905),سنن ابن ماجه المناسك (3074).
(10) سورة النور الآية 55
(11) سورة محمد الآية 7
(12) سورة الحج الآية 40
(13) سورة الحج الآية 41
(14) سورة النحل الآية 44
(15) سورة النحل الآية 89
(16) سورة النحل الآية 64
(17) سورة الأحزاب الآية 21
(18) سورة النور الآية 63
(19) سورة الأنفال الآية 24
(20) سورة النحل الآية 97
(21) سورة المنافقون الآية 8
(22) سورة التوبة الآية 54
(23) سورة التوبة الآية 55
(24) سورة طه الآية 123
(25) سورة طه الآية 124
(26) سورة السجدة الآية 21
(27) سورة الانفطار الآية 13
(28) سورة الانفطار الآية 14
(29) سورة فصلت الآية 30
(30) سورة فصلت الآية 31
(31) سورة فصلت الآية 32
(32) سورة الأحقاف الآية 13
(33) سورة الأحقاف الآية 14 

عن khithma

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*