الرئيسية / أجوبة هامة / أجوبة هامة كتابي / الجواب رقم (91) هل جرح الرواة واجب؟  وبيان أهمية جرح وتعديل الرواة  وهل هذا الجرح يعتبر من الغيبة المحرمة؟

الجواب رقم (91) هل جرح الرواة واجب؟  وبيان أهمية جرح وتعديل الرواة  وهل هذا الجرح يعتبر من الغيبة المحرمة؟

السؤال: سمعت أنه لا بد من جرح الرواة  فهل هذا الكلام صحيح هذا أولاً؟ ثانياً إذا ثبت هذا ألا يعد هذا الجرح من الغيبة المحرمة؟

الجــــــــــواب:

 الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه بإحسان إلى يوم الدين.

علم الجرح والتعديل علم مهم جدأ اعتنى به العلماء عناية فائقة وكبيرة لأنه به يعرف الصحيح والسقيم من الأخبار فتعديل الرواة وجرحهم هذا أمر واجب لا بد منه.

وأما ما يسأل عنه الأخ السائل عن جرح الرواة

 أقول: نعم صحيح إنه واجب وضروري ولا يعد من الغيبة المحرمة بل هو واجب صيانة للشريعة وذباً عن السنة والشريعة الغراء من الكذابين وتحريف المبطلين ومرويات الضعفاء والمجاهيل وغيرهم  لأن الأخبار تأتي بتحليل أو تحريم أو نهي أو أمر أومباح أو ترغيب أو ترهيب …إلخ ولهذا وجب التثبت من ناقلي الأخبار وقد دأب أئمة هذا الشأن على الكلام في الرواة جرحاً وتعديلاً وسار على ذلك الأئمة الفضلاء. وبذلوا الغالي والنفيس ليتفتشوا عن الرواة ولينقوا الأخبار مما يشوبها من مكذوب وضعيف ومنكر وغير ذلك.

  فالغيبة تجوز بحق ولمصلحة شرعية  وقد أمرنا الله جل وعلا  بالتثبت من خبر الفاسق فقال تعالى: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6] .

فبين  أن خبر الفاسق الذي ليس بمعدن للصدق لا يقبل وإنما يقبل خبر العدل الذي هو معدن للصدق.

وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَرْحِ: «بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ» أخرجه البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها  . وَفِي التَّعْدِيلِ قال: ( «إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَجُلٌ صَالِحٌ» ) أخرجه البخاري وغيره وكل هذا مبسوط في مظانه.

ومن هذا الباب جرح أهل البدع والأهواء والزيغ والضلال  صيانة للشريعة من تحريفها وإبطالها وترويج البدع والمخالفات باسم الدين والشريعة وإدخال فيها ما ليس منها. وهذا الأمر لعلي أبسط الجواب عنه في موضع آخر

 وقد قال الإمام مسلم – رحمه الله تعالى-  في [مقدمة صحيحه 1/12 – إحياء التراث- بيروت-عبد الباقي] :

وَإِنَّمَا أَلْزَمُوا أَنْفُسَهُمُ الْكَشْفَ عَنْ مَعَايِبِ رُوَاةِ الْحَدِيثِ، وَنَاقِلِي الْأَخْبَارِ، وَأَفْتَوْا بِذَلِكَ حِينَ سُئِلُوا لِمَا فِيهِ مِنْ عَظِيمِ الْخَطَرِ، إِذِ الْأَخْبَارُ فِي أَمْرِ الدِّينِ إِنَّمَا تَأْتِي بِتَحْلِيلٍ، أَوْ تَحْرِيمٍ، أَوْ أَمْرٍ، أَوْ نَهْيٍ، أَوْ تَرْغِيبٍ، أَوْ تَرْهِيبٍ، فَإِذَا كَانَ الرَّاوِي لَهَا لَيْسَ بِمَعْدِنٍ لِلصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ، ثُمَّ أَقْدَمَ عَلَى الرِّوَايَةِ عَنْهُ مَنْ قَدْ عَرَفَهُ، وَلَمْ يُبَيِّنْ مَا فِيهِ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ جَهِلَ مَعْرِفَتَهُ كَانَ آثِمًا بِفِعْلِهِ ذَلِكَ، غَاشًّا لِعَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ، إِذْ لَا يُؤْمَنُ عَلَى بَعْضِ مَنْ سَمِعَ تِلْكَ الْأَخْبَارَ أَنْ يَسْتَعْمِلَهَا، أَوْ يَسْتَعْمِلَ بَعْضَهَا وَلَعَلَّهَا، أَوْ أَكْثَرَهَا أَكَاذِيبُ لَا أَصْلَ لَهَا، مَعَ أَنَّ الْأَخْبَارَ الصِّحَاحَ مِنْ رِوَايَةِ الثِّقَاتِ وَأَهْلِ الْقَنَاعَةِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُضْطَرَّ إِلَى نَقْلِ مَنْ لَيْسَ بِثِقَةٍ وَلَا مَقْنَعٍ، وَلَا أَحْسِبُ كَثِيرًا مِمَّنْ يُعَرِّجُ مِنَ النَّاسِ عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الضِّعَافِ، وَالْأَسَانِيدِ الْمَجْهُولَةِ وَيَعْتَدُّ بِرِوَايَتِهَا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِمَا فِيهَا مِنَ التَّوَهُّنِ وَالضَّعْفِ أهـــ.

وقد ذكر النووي رحمه الله تعالى أن جرح الرواة واجب فقال- رحمه الله تعال -:

اعْلَمْ أَنَّ جَرْحَ الرُّوَاةِ جَائِزٌ بَلْ وَاجِبٌ بِالِاتِّفَاقِ لِلضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ إِلَيْهِ لِصِيَانَةِ الشَّرِيعَةِ الْمُكَرَّمَةِ وَلَيْسَ هُوَ مِنَ الْغِيبَةِ الْمُحَرَّمَةِ بَلْ مِنَ النَّصِيحَةِ لِلَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَزَلْ فُضَلَاءُ الْأَئِمَّةِ وَأَخْيَارُهُمْ وَأَهْلُ الْوَرَعِ مِنْهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرَ مُسْلِمٌ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ جَمَاعَاتٍ مِنْهُمْ مَا ذَكَرَهُ وَقَدْ ذَكَرْتُ أَنَا قِطْعَةً صَالِحَةً مِنْ كَلَامِهِمْ فِيهِ فِي أَوَّلِ شَرْحِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللَّه. أهـ

 [النووي في شرح مسلم 1/124- إحياء التراث- بيروت].

قال الحافظ العراقي في ألفيته (ج1|183):

979 – وَاعْنِ بِعِلْمِ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيْلِ …   فَإِنّــَهُ المِرْقَــــــــــــاةُ لِلتَّفـــْــــــضـِيْلِ
980 – بَيْنَ الصَّحِيْحِ وَالسَّقِيْمِ وَاحْذَرِ … مِنْ غَــــــرَضٍ، فَالجَـــــــرْحُ أَيُّ خَـطَرِ
981 – وَمَعَ ذَا فَالنُّصْحُ حَقٌّ وَلَقَــدْ …       أَحْســــــَنَ يَحْيَى فِي جَوَابِهِ وَســَدْ
982 – لأَنْ يَكُونُوا خُصَمَاءَ لِي أَحَبْ … مِنْ كَوْنِ خَصْمِي المُصْطَفَى إذْ لَمْ أَذُبْ
983 – وَرُبَّمَا رُدَّ كَلاَمُ الجَــارِحِ ….  كَالنَّســـــــَئِي فِي أَحْـــــــــمَدَ بنِ صَـــالِحِ
984 – فَرُبَّمَا كَانَ لِجَرْحٍ مَخـْرَجُ …. غَطَّـــــى عَلَيْهِ السّــُــــخْطُ حِــــــيْنَ يُحْرَج

قال السخاوى في فتح المغيث (ج4|348،352):

(وَاعْنَ) أَيِ: اجْعَلْ أَيُّهَا الطَّالِبُ مِنْ عِنَايَتِكَ الِاهْتِمَامَ (بِعِلْمِ الْجَرْحِ) أَيِ: التَّجْرِيحِ (وَالتَّعْدِيلِ) فِي الرُّوَاةِ، فَهُوَ مِنْ أَهَمِّ أَنْوَاعِ الْحَدِيثِ وَأَعْلَاهَا وَأَنْفَعِهَا ; (فَإِنَّهُ الْمِرْقَاةُ) بِكَسْرِ الْمِيمِ تَشْبِيهًا لَهُ بِالْآلَةِ الَّتِي يُعْمَلُ بِهَا وَبِفَتْحِهَا، الدَّرَجَةُ، (لِلتَّفْصِيلِ بَيْنَ الصَّحِيحِ) مِنَ الْحَدِيثِ (وَالسَّقِيمِ).

وقال أيضاً : وَأَوْجَبَ اللَّهُ الْكَشْفَ وَالتَّبَيُّنَ عِنْدَ خَبَرِ الْفَاسِقِ بِقَوْلِهِ: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6] . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَرْحِ: ( «بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ» ) . وَفِي التَّعْدِيلِ: ( «إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَجُلٌ صَالِحٌ» ) إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي الطَّرَفَيْنِ.

وَلِذَا اسْتَثْنَوْا هَذَا مِنَ الْغَيْبَةِ الْمُحَرَّمَةِ، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِهِ، بَلْ عُدَّ مِنَ الْوَاجِبَاتِ لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَمَنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ النَّوَوِيُّ وَالْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَلَفْظُهُ فِي قَوَاعِدِهِ: الْقَدْحُ فِي الرُّوَاةِ وَاجِبٌ ; لِمَا فِيهِ مِنْ إِثْبَاتِ الشَّرْعِ، وَلِمَا عَلَى النَّاسِ فِي تَرْكِ ذَلِكَ مِنَ الضَّرَرِ فِي التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْأَحْكَامِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ خَبَرٍ يُجَوِّزُ الشَّرْعُ الِاعْتِمَادَ عَلَيْهِ وَالرُّجُوعَ إِلَيْهِ، وَجَرْحُ الشُّهُودِ وَاجِبٌ عِنْدَ الْحُكَّامِ عِنْدَ الْمَصْلَحَةِ ; لِحِفْظِ الْحُقُوقِ مِنَ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْأَبْضَاعِ وَالْأَنْسَابِ وَسَائِرِ الْحُقُوقِ.أهــ. والله أعلم.

والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه بإحسان إلى يوم الدين.

***** ر ****

الشيخ / أبو مصعب سيد بن خيثمة.

عن khithma

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*