السؤال:هل النهي عن الجلوس على القبر للكراهة أم للتحريم؟
الجواب :
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه
الجلوس على القبر أمر مذموم منهي عنه شرعا ، فلا يليق بالمسلم أن يجلس على قبر أخيه المسلم لما فيه من الاستهانة بالمقبور حتى وإن كان قد تلبس بالمعاصي فإنهم ( أناس قد أفضوا إلى ما قدموا ).
وإن من محاسن الشريعة عدم المشي على القبور بالنعال والجلوس والاتكاء عليها والبناء عليها وتجصيصها.
قال ابن القيم في حاشيته على سنن أبي داود (9/ 38):فكيف يستبعد أن يكون من محاسن الشريعة إكرام هذه المنازل عن وطئها بالنعال واحترامها بل هذا من تمام محاسنها وشاهده ما ذكرناه من وطئها والجلوس عليها والاتكاء عليها أهـ.
وأما الجلوس على القبر ففيه نزاع بين العلماء على أقوال:
الأول:أنه جائز وفقد ذهب زيد بن ثابت رضي الله عنه والإمام مالك ومن تبعه إلى أن النهي عن الجلوس هو للحدث أو لقضاء الحاجة.
وقد نقل قول الإمام مالك الحافظ ابن عبد البر في الاستذكار (3/ 64) فقال:وَقَالَ مَالِكٌ (رَحِمَهُ اللَّهُ) وقال مالك ( رحمه الله ) وإنما نهي عن القعود على القبور فيما نرى للمذاهب يريد حاجة الإنسان وحجته أن علي بن أبي طالب كان يتوسد القبور ويضطجع عليها وإذا جاز ذلك جاز المشي والقعود فلم يبق إلا أن ذلك لحاجة الإنسان والله أعلم وهو قول زيد بن ثابت أهـ.
والثاني : أن النهي للكراهية وهو عام في كل جلوس وهو ينقل عن الحنابلة والشافعية ومنهم من يذهب إلى التحريم أيضاَ.
وفي كفاية التنبيه في فقه الشافعية (5/ 167):وهل المنع منع تحريم أو كراهة؟ فيه اختلاف بين النَّقلة: فالذي قاله في “المهذب”: أنه لا يجوز، وعبارة الغزالي والمتولي والبندنيجي: أنه يكره ذلك، وكذا الاتكاء عليه.أهـ.
وفي كشف القناع في الفقه الحنبلي (2/ 140) يكَْره (الجلوس) عليه أهـ أي القبر.
. وقال ابن قدامة في المغني (2/421): فصل : ويكره الجلوس عليها والاتكاء عليها أهـ.
ومن قال بالكراهة مرجوح كما سيأتي
والثالث: أن النهيَ للتحريمِِ سواء كان لقضاء الحاجة أو غيرها بل قضاء الحاجة على القبر أشد قبحا وهو الراجحُ -إن شاء الله- للأدلة عليه.
وأما ما ذهبَ إليه الإمامُ مالكٌ – رحمه الله – فمرجوحٌ والأدلة على خلافه.
قال بدر الدين العيني في عمدة القاري شرح صحيح البخاري (8/76):وَتَأَول مَالك وخارجة بن زيد على الْجُلُوس لقَضَاء الْحَاجة، وَهُوَ بعيد.
وأما النهي عن الجلوس على القبر فهو للتحريم والذي يدل عليه مارواه الإمام مسلم في الجنائز (1610) من حديث جابر – رضي الله عنه – قَالَ : نَهَى رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – أن يُجَصَّصَ القَبْرُ ، وأنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ ، وَأنْ يُبْنَى عَلَيْهِ))
قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم (7/ 27): وفي هذا الحديث كراهة تجصيص القبر والبناء عيه وتحريم القعود والمراد بالقعود الجلوس عليه هذا مذهب الشافعي وجمهور العلماء وقال مالك في الموطأ المراد بالقعود الجلوس ومما يوضحه الرواية المذكورة بعد هذا لا تجلسوا على القبور وفي الرواية الأخرى ( لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر ) قال أصحابنا تجصيص القبر مكروه والقعود عليه حرام وكذا الاستناد إليه والاتكاء عليه أهــ.
وروى الإمام مسلم أيضا في الجنائز (1613) من حديث أَبي مَرْثَدٍ الْغَنَوِىّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ :(( لاَ تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلاَ تُصَلُّوا إِلَيْهَا )).
ومنها ما رواه الإمام مسلم في صحيحه في الجنائز(1612) من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ أَوْ عَلَى نَارٍ فَتَحْرِقَ ثِيَابَهُ حَتَّى تَخْلُصَ إِلَيْهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ)) وفي هذا الحديث دلالة واضحة على أن الجلوس على جمرة من نار فتحرق ثيابه أخف من أن يجلس على قبر أي أن الجلوس على القبر أشد وعيداً.
ولذلك لما أورد الإمام النووي , هذا الحديث في ( كتاب رياض الصالحين 428- الصفا ) قال باب تحريم الجلوس على قبر فبين رحمه الله تعالى ما ذكرنا فيجب تركه هذا الأمر لما فيه من الوعيد الشديد . والله أعلم.
وأخرج ابن أبي شيبة (3/ 26) والطبراني في معجمه الكبير (9/ 321) وأبو نعيم في الحلية عن ابن مَسْعُودٍ رضي الله عنه قال: لَأَنْ أَطَأَ عَلَى جَمْرَةٍ حَتَّى تُطْفَأَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْعُدَ عَلَى قَبْرٍ)) وقد ورد مرفوعا عن أبي هريرة ، وعقبة بن عامر، وموقوفاً على أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين.
وقال الصنعاني في سبل السلام (1/511): وعن مالك : أنه لا يكره القعود عليها ونحوه وإنما النهي عن القعود لقضاء الحاجة . وفي الموطأ : عن علي عليه السلام : ” أنه كان يتوسد القبر ويضطجع عليه ” ومثله في البخاري : عن ابن عمر وعن غيره . والأصل في النهي التحريم كما عرفت غير مرة وفعل الصحابي لا يعارض الحديث المرفوع إلا أن يقال : إن فعل الصحابي دليل لحمل النهي على الكراهة ولا يخفى بعده أهــ.
وقال الشوكاني في نيل الأوطار (2/ 138): وقد صحت الأحاديث القاضية بالمنع ولا حجة في قول أحد لا سيما إذا كان معارضا للثابت عنه صلى الله عليه وآله وسلم أهـ.
وقال الشيخ ابن عثيمين في شرح رياض الصالحين (6/521) في شرح حديث أبي هريرة رضي الله عنه:وهذا يدل على التحريم وأنه لا يجوز للإنسان أن يجلس على قبر المسلم وإذا أراد أن يجلس فليجلس من وراء القبر يجعل القبر خلف ظهره أو عن يمينه أو عن شماله وأما إن يجلس عليه فهذا حرام أهـ.
هذا ما يسر لي الله سبحانه وتعالى والله أعلم.
وأصلى وأسلم على رسولنا محمد وآله وصحبه ومن ولاه بإحسان إلى يوم الدين.
***** ر *****